منى عبد الفتاح : التفاتة إلى الحوار.. زمن الأندلس !

منى عبد الفتاح : التفاتة إلى الحوار.. زمن الأندلس !

احتج عراقيو الموصل على قرار أصدره تنظيم داعش، أخيراً، بمنع صلاة العيد في المساجد، بحجة أنّها بدعة وضلالة. أن يُصدر تنظيم داعش قراراً بمنع صلاة أو جزّ الرؤوس، أو غيرها من الأحكام الجزافية، فذلك ليس غريباً، وهذا مما تعود عليه الناس إلى درجة الإلفة التي تستغرب ما هو دون ذلك، لكن الغريب، فعلاً، أن يصل التنظيم إلى هذه الدرجة من السيطرة على عقول الناس، فضلاً عن السيطرة الفعلية التي يمارسها على كل من تقع عليه سطوته. وتغييب الوعي الذي وصل إليه من يكتوون بنار داعش، من أهل العراق والشام، والمهددون من على القرب أو البعد، هو تفعيل قانون الأسر حسب فكرهم وإيمانهم بما يقومون به من غسيل للأدمغة، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
ومع هذا الحال البائس، يعنّ السؤال: هل يملك أهل الموصل من حريتهم شيئاً، ما دام أنهم سلّموا بأمر التنظيم، واكتفوا بالاحتجاج فقط على هذا القرار.
هذه الحالة التي يمرُّ بها عالمنا العربي، وداعش أحد الفاعلين الرئيسيين فيها، والكلّ فيها مأسورٌ أمام محراب الحرية، يستشرف الآتي، بعد أن تغلغلت روح هذه الحرية في النفوس زمنا طويلاً. وخرجت الأرواح بغرغرة الموت، تنشد قصائد الزمن المطلق، وحكى الزمان ثورات ربيع، من دون أن تحلّ الديمقراطية والسلام، ثمناً لكلّ ما بُذل من أرواح وسُفك من دماء.
الناجون من جحيم داعش، وهم قلّة، يعلنون أنّ ما يتمّ داخل حدود التنظيم أمرُّ وأصعب مما يمكن تصوره. وبالرجوع إلى جوهر الإسلام، يمكن استخراج المظاهر الحقيقية لقيمة التسامح على المستوى الديني والمجتمعات الإنسانية. وهنا، يظهر التباعد بين داعش وهذه التعاليم السامية. ويبرز، بشكل آخر، اهتمام التنظيم بمظاهر يفترِض أنّها هي الدين، ويجرّم روح الدين وقيمته الحقيقية الداعية إلى استخراج مجموعة من المبادئ والضوابط التي تؤطر الاتجاه إلى ترسيخ حوار حضاري، كان من المفترض أن يكون سارياً وأصيلاً، من أجل توظيفه في العصر الحاضر.
“ما نتعلمه يومياً من حضارة الأندلس الآفلة أنّها جسدت، بشكل كبير، معنى الحوار، وصولاً إلى التعايش السلمي في حياة من ضمتهم بين جوانح الدولة”
يقودنا موضوع هذه الصراعات إلى إعادة قراءة التاريخ، وكيف كان يتم التواؤم منذ عهد دولة الرسول (ص) بين قيمتي التسامح والتعايش بين الناس والمجتمعات. ثم إلى المرور بحضارة الأندلس وثقافتها واقتراح تأويلات جديدة ملائمة، باتت في حكم الضرورة. وجاء الاستعراض بوجاهة إلقاء مزيد من الضوء على مظاهر التسامح في تلك الحضارة، لتدحض أقاويل المغرضين عن الإسلام. وهذا ما بدا أنّ دراسات وبحوثاً عديدة تسعى إلى الوصول إليه. وما عُرف عن الوجود الإسلامي في الأندلس يثبت سموّ الحضارة الأندلسية من جهة، ومحاولة الغرب الإفادة منها، من جهة أخرى، مع أنّ بعضهم يعمد إلى تشويهها.
ما زالت الثمانية قرون التي أشرقت فيها شمس الحضارة الأندلسية على شبه الجزيرة الأيبيرية تلقي بظلالها إلى اليوم، على القلاع والمدن، وتشهد على عبقرية عربية إسلامية، تنبذ العنف والتدمير، وتبغي التعايش والسلم والتشييد.
ما نتعلمه يومياً من حضارة الأندلس الآفلة أنّها جسدت، بشكل كبير، معنى الحوار، وصولاً إلى التعايش السلمي في حياة من ضمتهم بين جوانح الدولة. فكانت الروابط الاجتماعية والسياسية وأواصر الرحم والدم بين الأسر العريقة المولدة وأنسبائها من مسيحيي الشمال، وأثر ذلك على العلاقات السياسية، وتطور الحوادث في بعض مناطق الشمال الأندلسي، المتصل بالأراضي المستقلة عن الدولة الإسلامية. ووصل الحوار إلى أريحيته والتعايش إلى مداه، بأن حدث تقبّل لتطبيق أعراف تخضع للعامل الاجتماعي، أو السياسي، من دون أن تمس العقيدة بين أهل الديانات المختلفة، على الرغم من التزمت في الجهتين. فكان أن دخلت أسر مسيحية في طاعة أسر إسلامية، وولاء أسر إسلامية لأخرى مسيحية، تربطهما معاً أواصر القربى.
بدأ جدياً البحث عن وسيلةٍ تحمل رسائل تلطيفية، لإزالة التوتر بين الشرق والغرب، ولم يكن لهذا السعي أن يُكلّل بالنجاح، من غير إعادة فتح باب الحوار، وتذليل العقبات والمصاعب التي تعوقه. وبما أنّ الحوار السياسي، غالباً، ما يتم تشييده بناءً على المصالح، فكان من الأجدى اللجوء إلى الحوار الثقافي.
يبدو أنّه انقطع الولوج إلى عتبة الحوار على مستوى الدين الواحد، بتصاعد مثل تفكير داعش التصادمي مع الداخل والخارج معاً. ففيما قبل، واءم حكيم قرطبة، ابن رشد، بين الشرق والغرب بالحوار الذي أثراه في ذلك الوقت، ولم تكن المهمة اليسيرة، كما لم يكن سواه يقف على رأس الرموز الثقافية في ذلك الوقت. أما اليوم فيعجز العالم الإسلامي عن نقطة حوارٍ واحدة بين أبناء الدين الواحد.
مثّل ابن رشد همزة الوصل الفعالة بين الشرق والغرب، واجتهد حتى تمكن من إقناع العرب المسلمين والأوروبيين المسيحيين بضرورة التعايش السلمي. وقد كان كذلك من أكثر الفلاسفة العرب انشغالاً واهتماماً بالفلسفة اليونانية، وعاصر فلسفة أوروبا وشهد نهوضها من قرون الظلمات. ويمكن تلمس نجاح ابن رشد في اعتراف مفكرين وكتاب إسبان كثيرين بعظمة الحضارة الأندلسية، واعتبارها جزءاً من وطنيتهم وقوميتهم.
“ما زالت الثمانية قرون التي أشرقت فيها شمس الحضارة الأندلسية على شبه الجزيرة الأيبيرية تلقي بظلالها إلى اليوم، على القلاع والمدن”
تأخر العرب في الانتباه لما قام به ابن رشد، ولم يحدث ذلك إلّا بعد التركيز الغربي عليه. والسبب في الانتباه الأوروبي الحديث بابن رشد، والذي فاق الاهتمام به في العالم العربي الإسلامي، أنّ الإسلام أصبح الديانة الثانية في أوروبا، فكان لا بد من سبر أغوار هذا الفكر، خصوصاً مع اختراق الحركات الإسلامية المتطرفة للوجود العربي والإسلامي في الغرب. وقد وصلت أوروبا إلى ضرورة تفعيل الحوار مع العرب المسلمين، بدلاً عن مكافحة وجودهم أو صرفهم أو الحد من هجرتهم، خصوصاً بعدما أثبتت الدراسات الغربية أنّ جلّ الأحداث في المنطقة العربية والإسلامية يصل صداها إلى أوروبا، ويؤثر فيها بشكل كبير.
وقد شهد التاريخ قبل الحاضر على ما يكتسبه الحوار من أهمية، وما يمكن أن يسفر عنه من ترتيبات، وما يفرزه من خلق منطلقات فكرية جديدة قد تغير أوضاعاً كاملة. الحوار التام في معناه العام، تجسد لابن رشد عند مخاطبته الآخر المختلف، متجسداً في محيطه الأندلسي، فقصّر ذلك الحوار عن وصوله إلى العرب. وكانت النتيجة وجود أغلب أعماله باللغة اللاتينية، في حين غابت بعض أهمها عن العربية. ولكن، في النهاية، وصل حوار ابن رشد إلى نتيجة، مفادها سيادة العقل وانفتاحه على أفقٍ يرفض الانسداد أو الدوران حول الذات. فكان تفعيله الحوار العقلي وانتقاد ما هو قائم ما حفز على تطور إصلاحية توماس الإكويني، وبفضله، توجت أوروبا بثورة عقلية، ما زالت تجني ثمارها.
في عصره، عمل ابن رشد على الرضا بالحد الأدنى لولوج فكره بين ملل مختلفة، كان من بينها مسلمون ومسيحيون ويهود، واستطاع أن يحقق أدنى درجات الحوار، خصوصاً أنّ ما ميّز عصره كان مجالاً نظرياً عمل على تنزيله فيما بعد على المجال العملي. وفي المقابل، فشلت النخبة المسلمة، في ذلك الوقت، بأن تخلق تواصلاً حضارياً بينها وبين ابن رشد، وهو كمدرسة فكرية، ويمثل مرجعاً متكاملاً، فقد غابت فرضية الكشف عن الحقيقة المتوقعة في مثل هذه الحالة من الانسجام، فنتج عنها حوار منقوص، انتهى بنفي ابن رشد واتهامه بالكفر.
لا يتأتى الوصول إلى الحقيقة إلّا بالحوار، فعندما انسدّ الأفق العربي والإسلامي عن فكر ابن رشد فقد بوصلة الحوار مع الغرب. وقد كانت آليات ابن رشد، وترسيمه طريق الحوار، لتختصر زمناً وجهداً كبيراً، ما زال العالمان، العربي الإسلامي والأوروبي المسيحي، يحاولان الوصول إلى نقطة انطلاقتها. باستحضار آليات ابن رشد في الحوار، يمكن المساهمة في تجديد الثقافة العربية الإسلامية من الداخل، لمواجهة دعوات الانغلاق والتزمّت والإقصاء المتمثلة في نشاط الجماعات الإرهابية. وللبرء من هذا الفكر المتطرف وممارساته، لا بد من إثراء الحاضر بقيم ابن رشد الفكرية التي صاغها في التسامح، والتعددية واحترام الاختلاف، والانفتاح على الثقافات الأخرى.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *