مستشفى حكومي .. أتركوا وراءكم كل أمل في النجاة !!

الزيارة الأولى
رادءة خدمات.. قاذورات في كل مكان ..والقطط تزاحم المرافقين والمرضى ..!!
قررت الصحيفة الوقوف على هموم ومشاكل المواطنين فاخترنا المستشفيات الحكومية نقطة لبداية تحقيقات تعايش المواطنين هموم ومشاكل. لم يكن الأمر هيناً فالوضع غاية التعقيد وحتى نكون دقيقين فى نقل معانتهم اخترنا تكرار زيارتنا لمستشفيات فى أزمان وأوقات مختلفة. لمستشفيات أم درمان وبحري والصافية والتركي، التي اتخذناها كعينة لما يحدث بمستشفيات ولاية الخرطوم، بعد أن وصلت الصحيفة شكاوى لا تحصى ولا تعد عن تردي الخدمات الصحية بالمستشفيات، وما كنا مصدقين حتى رأينا وسمعنا،
وتالياً الحصيلة التي خرجنا بها من زياراتنا تلك التي أدمت قلوبنا وأسالت دموعنا..!!
تحقيق: زينب أحمد: سعدية الصديق :حفيظة جمعة: ضفاف محمود
كانت الزيارة الأولى لنا بمثابة المعاينة الأولية لأوضاع المستشفيات لذا دخلنا المستشفيات كزائرين عاديين بعد دفع رسوم الدخول المتفاوتة من مستشفى لآخر ودون أورنيك (15).
تجولنا داخل المستشفيات بكامل حريتنا نرصد بأم أعيننا معاناة المرضى وتكدس العنابر بالمرضى والزوار الذين يفترشون أرضية العنابر والممرات يتناولون الشاى والقهوة فيما يتفافز أطفالهم بالسلام دونما مراعاة للمرضى
لاحظنا أن عدد الكوادر الطبية المتجولة داخل المستشفيات قليل جداً فقلما كنا نلحظ مرور أحدهم داخل العنابر أو في باحة المستشفى رغم بقائنا لساعات طويلة فيها عند سؤالنا عنهم كانوا يشيرون لنا لمكتب الطبيب المناوب أو(المترون) حيث مكتب التمريض بالمستشفى .
بداية متوقعة..!!
لم نكن نمني أنفسنا بواقع مثالي داخل المستشفيات لكن لم نكن نتوقع ما رأيناه
فالبيئة داخل العنابر والحمامات تنبي عن سوء إدارة الشركات التي يقع على عاتقها مسئولية النظافة أضف لذلك التأخير في مرور الأطباء والممرضين إلى جانب تكدس عيادات الحوادث بالمرضى. أثناء تجوالنا داخل مستشفى بحري التعليمي لاحظنا تكدس النفايات بكميات كبيرة داخل ردهات المستشفى مما جعل القطط تتجول بسلام بين الأرجاء بحثاً عن ما تقتات به وتشارك المرضى العنابر بل الأسرة دونما خوف
معاناة مسنة ..!!
الحاجة قسمة امرأة طاعنة فى السن شاء القدر أن تكون مرافقة لابنتها المرضية التي تعاني من البواسير كان واضحاً عليها التعب والإرهاق سألتها عن سبب وجودها فى المستشفى وإن كان بمقدوري مساعدتها فى شيء ما قالت مندفعة وكأنها كانت تبحث عن من تبوح له بما تعانيه من أسى يا(بتى أنا قاعدة هنا (15 ) يوماً مع إبنتى المريضة بـ(البواسير)، أنا عندى رطوبة والطلعة والنزلة صعبة علي شديد، وأردفت وكأنها تريد مزيداً من التوضيح ، ما في أسانسير والسلالم تعبتنى شديد؟.) وبرضو تعبت من سك الممرضين والدكاترة فى العنابر كلما جاءت مواعيد الدواء، والحرس كلما خرجت لابتاع شيئاً من الخارج أو إجراء فحص خارجي أوقوفني لساعات بالخارج.
حاولت الخالة قسمة تلخيص معاناتها في كلمتين :”كل شيء بقروش”. وإدارة المستشفى تمنع الأكل والشراب داخل المستشفى، لذلك نعتمد على الكافتريات والمطاعم في الخارج أضف لذلك إن معظم الأدوية التي يصفها الأطباء غير موجودة فى الصيدلة الداخلية إلى جانب إلزام المريض بكل مايحتاجه إن ظهرت الحاجة لإجراء عملية إبتداءً بالقطن والشاش وانتهاءً برسوم العملية نفسها.
تجسيد المعاناة..!!
انتقلنا بعدها لمستشفى التركي بضاحية الكلاكلة القبة لفت انتباهي تجمهر المواطنين أمام أحد الشابيك عرفت فما بعد إنه الشباك المخصص لدفع رسوم الفحص اقتحمت الزحام مستفسراً عن سبب التجمهر وتوجهت بسؤالي لأحد المرضى المنتظرين، منذ متى بدأت تلك الزحمة وماهو الإجراء الذي من المفترض أن أقوم به ؟ فقال لي: يا بنتي أنا واقف منذ أكثر من ساعة بهذا المكان لدفع رسوم الفحص، ثم ضرب كفاً بكفٍ وقال:(ده حال المسكين حتى لو جاه مريض من كثرة المعاناة التي تواجهه يزيد مرضه)
وأنا أهم بالرحيل من المكان أدرت ناظري في أوجه المنتظرين من المرضى يغشى وجوههم التعب والمرض وقسوة الانتظار الذي يؤرق المواطن في المؤسسات الصحية الخدمية.
التحصيل الإليكتروني..!!
عند المكتب المخصص للتحصيل الإليكتروني تجمع عدد من المواطنين إنتظاراً لعودة الشبكة لاحظت وقوف إمرأة يبدو عليها التعب والإرهاق ، اقتربت منها متسائلة: كيف تقوين على الوقوف وسط هذا الزحام؟ فأجابت قائلة: هذا هو حال المستشفيات العامة في السودان، وكل شيء جائز بالمستشفى العام، وأثناء وجودي بذلك الزحام خرج رجل ستيني وهو يصيح بأعلى صوته قبل أن يقتحم مكتب التحصيل الإليكتروني عند الباب صده موظفو التحصيل ومنعوه من الدخول لداخل المكتب خرج وهو يلعن ويسخط الأورنيك الإليكتروني، حاولت اللحاق به لكنه ثار فى وجهي قبل أن يغادر المكان والشرر يتطاير من عينيه ..!!
فى الاستقبال الداخلي وجدت إحدى المواظفات سألتها عن أسباب الزحمة فأجابت هنالك تذبذب فى الشبكة منذ ثلاثة أيام لجهة استبدال أورنيك (15) بأورنيك إليكتروني.
انتهزت تلك الفرصة وأخبرتها بأني أعاني من مشكلة في العين أريد مقابلة الطبيب، فردت بسرعة: ليس لدينا اختصاصي عيون، ووجهتني بالذهاب لمستشفى مكة للعيون، وأنا في غاية الإصرار لمقابلة الطبيبة فأخبرتها بأني مصابة بصداع مرتبط بالمعدة وهو الذي يؤثر مباشرة على تلك العين، وأشارت لي بالذهاب لإختصاصية الباطنية بالوحدة المحوَّلة، وعلى الفور ذهبت للمحوَّلة فى المبنى الآخر، عند وصولي للوحدة قابلت السكرتيرة، وكان أول سؤال توجهه لي بعد طلب مقابلتي لدكتورة الباطنية، هل أنت طبيبة؟ فأجبتها بلا، ثم سألتني مرة أخرى إلى أية جهة أنت تتبعين؟ فقلت لها: أنا مواطنة، فقالت: هل لديك تأمين؟ فقلت لها: لا، فقالت: إذاً اذهبي لمستشفى الحوادث أولاً وهم بدورهم سيقومون بتحويلك لنا.
جثة مجهولة..!!
حتى يتسنى لى التجول داخل قسم الحوادث في مستشفى أم درمان التعليمي إدعيت المرض طلب مني تسجيل الإسم فى الدفتر ومتابعة الإجراءات.
تزامن دخولي هرج ومرج ساد قسم الطوارى بسبب تواجد جثة لرجل مجهول الهوية وعلى حسب رواية أحد المرضى فإن الرجل قامت باحضاره سيدة استغلت إنشغال الناس فهربت لجهة مجهولة لم تفلح جهود الحاضرين وأمن المستشفى في الوصول إليها
يقول محدثي إن الرجل تم حمله على نقالة وإدخاله للقسم قبل أن يستفرغ دماً ويسلم روحه.
بدأ الكل منشغلاً بوجود الجثة ومستفسرين عنها والكل يزيح الآخر حتى يراه وفجأة قامت مريضة من سريرها ووضعت ثوبها على الجثة، إلا أن أحدهم انتهرها بقوة أنت (الزول بتعرفي يا ولية؟ ما تدخلينا في حسابات تانية في بصمات وأدلة جنائية، بعدها غادرت إلى جهة أخرى، حيث يتجمع مرافقو المرضى في ساحة المستشفى واقتربت منهم شيئاً فشيئاً.
ربما لاحظ أحدهم كثرة تجوالي فبادرني بالسؤال إن كنت أبحث عن شيء ما
أجبت بنعم أبحث عن أقربائي لديهم مريض بعنبر الباطنية، وبعدها دعاني الرجل للجلوس على فرشة يفترشها على الأرض، بالفعل جلست يبدو إنه أحد المرافقين رويت له حكاية من بنات أفكاري عن المستشفيات لأشجعه على الحديث، كان رد الرجل: يا أختي المستشفى بعد الساعة العاشرة خالية من الدكاترة والسسترات، لأنهم يغطون في نوم عميق، وعندما تحاول إيقاظ إحداهن ترد عليك بسخرية ولؤم، وواصل حديثه قبل أيام ذهبت لمناداة إحدى الممرضات لعمل فراشة لوالدتى للأسف لم تراع كبر سنها ومزقت أوردتها، وبدأ الدم يسيل من الأوردة كأنه شلال من الماء، عندها طلبت منها أن تؤدي عملها بلطف حدقت في وجهي لمسافة طويلة، وردت علىَّ: (دا شغلي بعرفو كويس)، وبعدها رددت في سري نسألك اللطف يا الله. قال: لي الرجل يا أختي هذا هو الحال في مستشفيات (بلادي)
روائح نتنة..!!
واصلت مسيري واتجهت صوب الحمَّامات التي تفوح منها روائح نتنة تزكم أنوف المارة، فما بالك بمستخدميها شاهدت عدداً من أكياس القمامة التي تقبع أمام (الحمَّامات) بالرغم من وجود عمالة أجنبية ومحلية إلا أن بيئة المستشفى بها تردٍ مريع في الخدمات الأساسية التي باتت تعاني من تراكم الأوساخ والنفايات.
إحدى النسوة اللائي صادفتهن أثناء تجوالي بالمستشفى قالت لي إن الأمر لايتعلق بالتكدس أو تردي الأوضاع الصحية وحدها بل تعدت ذلك بكثير وروت لي قصة غريبة من نوعها أثناء تواجدها في المستشفى مرافقة لزوجها لمدة ثلاثة أشهر، عن واقعة حدثت خلال الفترة الماضية عن شاب جيء به إلى المستشفى في كامل صحته، دخل غرفة العملية وخرج منها جثة هامدة. وسألتها ما السبب الذي جاء به إلى المستشفى؟ قالت لي : يعمل عامل بناء (سقطت على يده طوبة بلك) أثناء عمله، لذلك قرر له الأطباء عملية جراحية، ومنها غادر الدنيا ورحل إلى عالم آخر. وواصلت شاهدة العيان رواية الواقعة: بعدها النسوة ضربن الطبيب، وعمت الفوضى المستشفى، ورفض ذوو المرحوم استلام الجثة لكي يتم تشريحها ومعرفة أسباب الوفاة، وقالت لي: خلال الأشهر الماضية شاهدت الكثير من إهمال وعدم اهتمام بالمرضى.
زحمة يا دنيا زحمة!!
الوجهة الأخيرة لتجوالي كانت حوالى الحادية عشرة مساءً عندما هممت بالدخول للمعمل لرؤية ما يدور داخله، وأخذت عينة لفحص الملاريا وعند استلام العينة مني طلب مني الشخص الموجود على تربيزة المعمل أن أذهب وأحضر للنتيجة بعد ساعة ونصف، لماذا تتأخر النتيجة؟ كان رده غير منطقي ومقبول: الفحوصات كثيرة لو ما عاجبك أمشي لمعمل خارجي. المرضى ومرافقوهم يجلسون على الأرض، ضاقت الصالة التي بهم. عدد من الكراسي. شاهدت كميات هائلة من البشر في انتظار النتيجة التي تخرج بعد خروج الروح، كما قالها أحد المرضى الذي أبدى تذمره ووصف المستشفى بأنها ليس لديها إمكانيات، وتساءل أين وزارة الصحة من هذه الفوضى؟. هبة التي وجدناها تنتظر النتيجة قالت لنا: المرض قد ازداد عليَّ من كثرة الانتظار، ووصفت هبة المعمل بأنه بطيء والفحيص مماطل لا يقوم بعمل الفحوصات في وقتها، بل يمارس المماطلة والدخول والخروج من هنا وهناك.

التيار

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *