د. ياسر محجوب الحسين : السد.. لا يوجد رد

قبل 7 سنوات منع الرقيب الأمني بإصرار شديد نشر كاريكاتور يظهر مواطنا سودانيا متضررا من انقطاع الكهرباء يتصل على إدارة سد مروي: (ألو السد) لكن الرد الآلي يبلغه أنه لا يوجد رد.. حينها كنت رئيساً لتحرير تلك الصحيفة ورأيت أن الكاريكاتور يمثل نقداً بناءً في غمرة سكرة ونشوة كبيرة ببناء سد مروري الذي رُوّج له حينها بأنه الحل الدائم والمستدام لمشكلة الطاقة الكهربائية في السودان.. وبالفعل شهد الإمداد الكهربائي انتظاماً نسبياً وتعثر نوعاً ما في تلك الأيام، مما دعا رسام الكاريكاتور لرسم رسم أثار هلع وغضب الرقيب الأمني.. وسارت الرياح في تلك الأيام بأنشودة قرعت الأسماع حتى الملل تقول: (الرد الرد.. السد السد) وحينئذ أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة الاعتقال الشهيرة بحق الرئيس عمر البشير وتزامن ذلك مع افتتاحه لسد مروي واعتبر حزبه الحاكم ذلك أبلغ رد على مذكرة المحكمة الجنائية. لذلك نزع الرقيب الأمني ذلك الكاريكاتور وقال لي بعد أن أجرى اتصالا بشخصية قيادية: (لن نسمح بمسِّ الأمن الوطني، فالسد خط أحمر لا يجب تخطيه).

اليوم تعيش العاصمة الخرطوم انقطاعات مزمنة في التيار الكهربائي، انهارت معها مزاعم انتهاء أزمة الإمداد الكهربائي للأبد.. وخرجت أحياء الخرطوم، في تظاهرات احتجاجاً على انقطاعات الكهرباء المتكررة ولفترات طويلة ومرهقة، فيما يشكو أصحاب المصانع من تعطيل مصالحهم بسبب انقطاعات الكهرباء. وكتب مغرد سوداني ساخراً: (عندما تُوفي توماس أديسون أُطفئت جميع مصابيح الولايات المتحدة الأمريكية تكريما له، والآن وبعد 84 عاماً السودان يخلد ذكراه يوميا في الخرطوم).

واعترفت وزارة الكهرباء والموارد المائية بتنفيذ برمجة لقطع الكهرباء، وتحدثت الوزارة صراحة عن اتجاه لزيادة تعرفة الكهرباء لمواجهة الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي والتكلفة العالية للإنتاج، فضلاً عن عدم التوازن بين إنتاج الكيلو واط الواحد من الكهرباء البالغة (80) قرشاً وثمن بيعه للمستهلك بـ(24) قرشاً. بل إن وزير الكهرباء اعترف بأن كهرباء سد مروي لا تكفى لاستهلاك العاصمة من الكهرباء وإن عمل بطاقته القصوى البالغة (1250) ميجاواط.. وتستهلك العاصمة الخرطوم 70 % من كهرباء الشبكة القومية.

ويحتدم الجدل في الحزب الحاكم، ليس حول رفض مبدأ الزيادة، ولكن حول الكلفة السياسية للزيادة في ظل نفاد محتوم لصبر المواطنين على أخطاء واستهتار السياسيين، وفي ذات الوقت أعلن تحالف قوى الإجماع الوطني المعارض “التعبئة العامة” لمناهضة زيادات الكهرباء.. ويعلم الناس بأن جملة التوليد الكهربائي في البلاد لم يتعد 3000 ميجاواط، وهي كمية ضئيلة جدا مقارنة باحتياجات البلاد الفعلية. ووفقاً لمنظمات دولية، فإن نحو 35% فقط من سكان السودان يحصلون على خدمة الكهرباء، ولن تحل زيادة الأسعار أزمة نقص الإمداد.

قد لا يختلف اثنان بأن إنجاز مشروع سد مروي جلب ثقة الصناديق العربية في قدرة السودان على الإنجاز فدفقت القروض منسابة سلسة لمشروع تعلية سد الروصيرص، بيد أن الانهيار الكبير في سلعة الكهرباء تزامن مع إبعاد وزير الكهرباء السابق الذي عرف بقدرات تنفيذية عالية. وسواء كان سبب الإبعاد الذي يعزيه البعض لصراعات محتدمة داخل الحزب الحاكم أو يعزيه إلى أن البناء لم يكن أساسا قائما على أرضية صلبة من الشفافية والصدقية، فإن بعض الأمثلة تؤكد هشاشة البناء. ففي الوقت الذي كان يتغنى البعض بإنجاز سد مروي انهار سد صغير تبلغ سعته التخزينية (42) ألف متر مكعب، بعد ثلاثة أعوام من إنجازه والمشروع تم إنشاؤه ضمن مشروعات تنمية شرق البلاد.. السبب الفساد وضعف المواصفات الفنية والهندسية وغياب الرقابة الاستشارية.. وحينها التزمت الحكومة سياسة (السكوت) والغموض.

وزير الري الأسبق نشر رأيا طالب فيه بإلغاء شركات الكهرباء والعودة إلى الهيئة القومية للكهرباء لأن هذه الشركات أحدثت خللاً كبيراً في قطاع الكهرباء وأدت إلى زيادات رهيبة في المصروفات، سواء في الفصل الأول أو الثاني أو الثالث بزيادة الأجور والمرتبات والبدلات والحوافز بصورة وصفها بالعشوائية وإيجار العقارات للشركات والمكاتب التنفيذية ومجالس الإدارات، كما انتقد التشغيل غير السليم للخزانات والسدود بالتركيز على الكهرباء وكذلك إهمال التوليد الحراري بصورة كبيرة أدى إلى هذا الخلل الكبير.

اليوم يشتري السودان (100) ميجاواط من أثيوبيا ويتطلع لشراء المزيد وتبلغ الطاقة الإنتاجية لأثيوبيا حوالي (30) ألف ميجاواط ولذلك يدعم السودان قيام سد النهضة الأثيوبي باعتباره طوق النجاة فيما يتم إهمال الحلول الإستراتيجية الوطنية.

إن الفساد الذي ضرب بجذوره في بنية الدولة هو ما قصم ظهر المواطن. وإن عدم الالتزام بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية في النظام السياسي وطغيان السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية هو ما يؤدي إلى الإخلال بمبدأ الرقابة المتبادلة، كما أن ضعف الجهاز القضائي وغياب استقلاليته ونزاهته يعتبر سبباً مشجعاً على الفساد. ويبدو واضحا ضعف الإرادة لدى القيادة السياسية لمكافحة الفساد، وذلك بعدم اتخاذ أي إجراءات وقائية أو عقابية جادة بحق عناصر الفساد بسبب انغماسها نفسها أو بعض أطرافها في الفساد.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *