جعفر عباس : الآسيويون بئس الكفيل للعربية

كيف سيلاقي أهل الخليج ربهم وهم يكفلون العمالة الآسيوية ثم يتركون اللغة العربية – لغة القرآن – تحت كفالة الآسيويين؟ دخلت قبل حين من الزمان بقالة يديرها هندي واشتريت علكة وسألته عن سعرها فقال: ييك روبيه، فأعطيته ريالا وواصلت الوقوف أمامه، فقال لي: كلاس بابا، ييك روبية بس ما في سيادة، فقلت له إنه طالما ان سعرها روبيه واحدة فإنني أريد «باقي المبلغ»، فلم يفهم مرادي فشرحت له أن الريال القطري يساوي نحو 14 روبية هندية، وعليه أن يرد لي ما يعادل 13 روبية، فنظر إلي باستنكار وقال: انت شنو يقول بابا؟ قلت له: تشيل مني 13 روبية ثم تسيء إلى سمعتي وشرفي؟ أنا بابا مال انت؟ (بالمصري: كنت خلفتك ونسيتك؟).
الصحف العربية عموما ترفع شعار لا صوت يعلو فوق صوت الإعلان، ومن ثم تجد العديد منها وصفحاتها الأولى مضروبة بالإعلانات، ونصف صفحاتها الداخلية ملغاة بسبب ما يسمى بالضغط الإعلاني، وفي هذا ازدراء بالقارئ واستخفاف به، فما من قارئ يشتري صحيفة لقراءة إعلانات يعرف أنها تستهبله وتستكرده وتستغفله!! ثم إن الإعلانات العربية عموما «تمتاز» بركاكة مثيرة للإعجاب، (في صحيفة خليجية كان هناك إعلان – والله على ما أقول شهيد – فحواه كما يلي: مطلوب خادمة «جديدة» واتصلت برقم هاتف صاحب الإعلان، متقمصا دور شخص يدير مكتبا لتوريد العمالة وسألته ماذا يقصد بأن تكون الخادمة جديدة؟ فصاح الله يفضح جماعة الجريدة. أبلغت مسؤولا في الإعلانات فيها عن رغبتي في خادمة ليست لها خبرة خليجية، حتى تدربها زوجتي على يديها، فجعلوها «جديدة»).
ولا تتفوق على الإعلانات من حيث الركاكة إلا أسماء المحلات التجارية: «محلات التشويش» كيف يمكن أن تدخل متجرا يعلن صاحبه أن سيشوش عليك؟ وهناك «ملحمة المواشي»: ألا يعطي هذا الاسم الانطباع أن هناك جزارين يذبحون البشر؟ أو أن كلمة المواشي عائدة إلى أصحاب الملحمة؟ هل تذكرون اسم المحل الذي حدثتكم عنه من قبل في مدينة الخرطوم بحري: «ثلاجة البشرية»!! هل هي مشرحة تابعة للقطاع الخاص وتحفظ بها الجثث لبيعها لطلاب كليات الطب؟.. غير أن سطراً آخر تحت اسم أزال مخاوفي: هنا يباع الثلج البارد!! وهكذا أساء بقصد أو بغير قصد إلى الشعب السوداني لأنه يوحي أن في البلاد ثلجا حارا أو ساخنا.. والله العظيم كانت تلك العبارة التفسيرية مكتوبة هكذا: هوناء يوباع الثلج البارد!!
إمارة رأس الخيمة سنت قبل سنوات قانوناً يفرض غرامات مالية على كل لافتة تجارية أو إعلانية بها خطأ لغوي، ولكنني تساءلت إلى من سيوكل أمر تطبيق ذلك القانون؟ حملة بكالريوسات آخر الزمن الذين يحدثونك عن لغة «الظاد»؟ على كل حال فالخطوة جديرة بالإشادة حتى لو أدت إلى إزالة الأخطاء الصريحة فقط، وبالتأكيد فإن خزينة الإمارة ستمتلئ بالدراهم لأن أمر كتابة اللافتات في منطقة الخليج متروك لأبناء شبه القارة الهندية.. وإذا ضمنت لي سلطات الإمارة عمولة محددة فإنني ولكوني عشت تسع سنوات في دولة الإمارات، وبي ولع بتجميع كل ما يتعلق بالعبث اللغوي، على استعداد لتزويدها بملف كامل للجرائم التي ارتكبها التجار بحق العربية، ولن أستطيع أن أذكر عينات منها هنا خوفاً من مقاضاة أولئك التجار لي وللصحيفة، ولكنني سأذكر اسم صيدلية أغلقت أبوابها: فقد كان اسمها بالإنجليزية «فيروز» ولكن الخطاط أسماها بالعربية «فيروس»، وكان من البدهي أن تفلس وأن يتم إغلاقها!! ومؤسسة «الانطلاقة» صارت بالترجمة الهندوغلوفية راشنس rashness للمقاولات، والكلمة تعني التهور والاندفاع دون حساب العواقب، وهكذا جنى مترجم على المؤسسة واختفت من سوق المقاولات (يشهد الله أن ذلك حدث فعلا)، وفي الخرطوم محل للحلاقة يحمل اسم صالون «زعمطة»، والزعمطة في العامية السودانية هي النتف والقص العشوائي، وربما كان صاحب الصالون من الناطقين بغير العربية وراح ضحية خطاط مهذار والغريب في الأمر أن صالونه صار ناجحا لأن غرابة الاسم جذبت اليه العديد من الشبان، وعلى كل حال فمعظم قصّات الشعر الشبابية في زماننا هذا «زعمطة».
jafabbas19@gmail.com

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *