الفكر الإسلامي وصناعة الشرق الجديد

الفكر الإسلامي وصناعة الشرق الجديد

هل يصنع الشرق من جديد؟ نعم. والمؤسف بل المروّع أنه لا يصنع من أهله، ولا من نخبته السياسية والثقافية المخلصة، بل من خصومه وأعدائه، بعد رحلة صعبة من التردي الاجتماعي والثقافي والسياسي يعيشها من جديد، وتفتت وحدته الجغرافية والسياسية، وغرق أطراف وأعماق منه في وحل اشتباكات طائفية وقومية.

يأتي ذلك في ظل صراع مع الاستبداد وبأس من جماعات العنف والتوحش التي اختطفت مفهوم جهاد المقاومة الشرعي من مواقع كثيرة، وصارعت ذوي المبادئ وأصحاب الرؤية الوسطى من المقاومين والمجاهدين، ونزعت هويتهم الإسلامية لأنهم لا يعتقدون غلوّها ولا يتلبسون بوحشيتها.

هذا جزء من صورة الواقع في الشرق الإسلامي، إضافة إلى أن الثلاثي القديم المحاصِر له من قرون عدة، لا يزال يعصف به، وهو الجهل والفقر والمرض. وهذا الحصار ارتبط كثيرا بمسيرة الاستبداد المُستأنف الذي عاد بمخالب شرسة بعد أن نقض آمال الربيع العربي عبر النفط الخليجي والتواطؤ الغربي، وتُكافح بعض شعوبه اليوم لتحقيق سلام نسبي يضمن مرحلة انتقالية، للتهيئة لصناعة وطن الحقوق والواجبات والهوية الفكرية معا، والتي بمجموع دولها تبدأ رحلة النجاح والنجاة للشرق الإسلامي الكبير.

“إن مهمة الفكر الإسلامي المعاصر، التي يتعاضد عليها علماء ومثقفون ودعاة ونخب مخلصة للشرق، هي ألا تقف مهمة رسالة الشرق ولا صناعته الذاتية ومواجهة صناعة الاستبداد الدولي والمحلي، بل مواصلة الحرث والزرع ولكن على بصيرة”

كان ذلك هو الأمل الذي عاشه الوعي العربي ليحقق تقدما في نهضة دوله وإنسانه، وينضم مع القسم الأعجمي في الشرق الإسلامي لمسيرة التنوير الصادق المنتمي لهوية الرسالة وجناحي مهمتها الكبرى، البلاغ التعبدي وبيان رحلة الخلق وحق الخالق، واستغلال كل شبر من الدنيا لزرع القيم وتقدم البشرية في مناحي الحياة ومساراتها.

لكن من الواضح أن الشرق يعيش اليوم حركة انهيار كبيرة، ولا يدري إلى أين يتجه، فقد انضم إلى معسكر الغرب -المستعمر القديم- نوع آخر وصورة مختلفة من الاستعمار الذي يبعث الطائفية في ذات الإنسان المسلم ليحصد ولاء سياسيا له، ويعقّد العلاقات الإسلامية والبشرية في الشرق؛ تساعده في ذلك ثقافة صنعها الاستبداد لتحشيد تعصب وطائفية أخرى لضمان أمن الحاكم لا مصالح الأمة التي قُهرت من التغوّل الإيراني الطائفي وتقاطعه مع الغرب.

لقد أضحت رسالة النهضة اليوم في موضع صعب للغاية أمام حرائق تحتاج بالفعل لفرق إطفاء اضطرارية. وأمام غزوات جدل وصراع واضطراب وتعقيد في فهم دلالات التشريع في مساري البلاغ والنهضة، فُتح الباب أمام فقه غلو مدني صب بأسه على الشرق قبل أن يحمل السلاح عليه، كرد فعل على بأس الغرب أو حليفه الطائفي أو جزء من تكوينه وحصاد خنق الاستبداد لحريته.

لكن مهمة الفكر الإسلامي المعاصر، التي يتعاضد عليها علماء ومثقفون ودعاة، ونخب مخلصة للشرق، وسياسيون من مستقلين أو في بيئة خصبة حُرة، أو حتى ممن تسلل -ضرورة- لخدمة شعبه من بيت آل فرعون؛ هي ألا تقف مهمة رسالة الشرق ولا صناعته الذاتية ومواجهة صناعة الاستبداد الدولي والمحلي، بل مواصلة الحرث والزرع ولكن على بصيرة، والخروج من مأزق رد الفعل العاطفي إلى الفعل الذاتي المنهجي المخطط لتقدم الشرق وإنسانه.

ورغم حصاد الواقع العربي والإسلامي المرّ، فإننا لا بد أن نذكّر بأن رسالة النهضة للشرق هي مخاض ثقافي كما هي كفاح فكري وحقوقي واستقلالي، وقد كانت هي المشاعل الأولى للنهضويين الإسلاميين الأوائل، من قبل قرنين من سقوط السلطنة العثمانية، حتى الخروج العسكري الرسمي لسايكس بيكو من جغرافية الشرق.

وعليه فإن مهمة الإنسانية المسلمة وروح نهضة الشرق، تكاملية في مسيرة الفرد الواعي وتورث لأجياله، جيلا من بعد جيل، ومن المهم أن يعي الفرد المسلم اليوم -وخاصة من جيل الشباب التربوي الإسلامي- هذه الحقيقة، ولا يهدمه الإحباط ولا يفقد ما حصّله من معرفة ووعي عميق لمفاهيم الفكر الإسلامي ليتحول إلى منصة صراخ عاطفي ومنبر ضجيج بين الأحداث، لا قيمة له إلا ببعث مزيد من الاحتقان والتوتر المحبط.

إن فكرة هذا المقال، ليس إلا تذكيرا بالواجب التاريخي لموجهي الفكر وصانعي قيم واستقلال الشرق الإسلامي في المحافظة على بناء الوعي النوعي، والرشد السلوكي في صفوف الشباب والوعي الإسلامي العام الذي يخرج أبناء الشرق من هذه العنصريات المنوعة التي تفتك بجسده أو تحول اهتماماته إلى صغائر أو فروع الفروع أو نزوات مجتمعات وأفراد، تشعل المزيد من بخار الضغائن.

وهو ما يحتاج بالضرورة لنشر خارطة الطريق للوعي الإسلامي المعاصر، التي تُحسن جمع هذه الدلائل وتفكيك هذه الأحداث ورسم مهمات التثقيف والوعي الإسلامي الرشيد للنهضة. ومهمة الخلاص هذه يجب أن تتشكل من تحالف كبير وواسع لحملة الفكر الإسلامي من غصونه إلى أوراقه الصغيرة؛ والبحث من جديد عن تحالفات الإنقاذ للإنسان الشرقي في كل توجهاته المذهبية والثقافية المختلفة.

إن الشرق اليوم بحاجة إلى حلف فضول كبير يلملم جراحه وانقساماته ويسد الطريق -إن أمكن- على سقوطه الكبير، أو على الأقل يؤسس لشرق جديد يصنعه هو لا خصومه ومستثمروه.

وهذه المهمة الكبيرة ليس بالضرورة كل جهدها ضمن توافقات إدارية موحدة، بل توافقات فكرية بعثت حركة الإحياء الإسلامي الأولى رسائلها واصطف معها العلماء والنبلاء من قرنين، لأن رسالة الفكر والتوافق على القيم أكبر مساحة من أي مؤتمر أو مؤسسة، وإن بقيت ضرورات لمثل هذه المشاريع لتدفع بفكر النهضة لرؤى أكثر تقاربا، وحصاد أدق تنفيذا لمستقبل الشرق الإسلامي وهويته ورؤيته الفكرية وطموحه التقدمي.

“إن أول مسار لصناعة الشرق الإسلامي: بناء عقل المسلم المعاصر باستقلال فكري يفتح أمامه مسارات الوحدة وجوامع المجتمعات وفلسفة النهضة الإسلامية ومساراتها التنفيذية، تلك هي مادة الوعي لتقليص مشاريع التقسيم والتخلف الأممية”

إن إحدى أزمات المثقف العربي، هي أن جزءا من العوائق تكون أحيانا بإشكالية المشاعر الشخصية للمثقفين وتنافسهم التياري أو مصالحهم، وهو ما يجب أن يُخفف من حدته ويسعى لتأمين التعاون لمصالح الشرق وإنسانه، بين تجمعات المثقفين المختلفة.

ومن المهم تدفق مسارات واهتمامات باحثي النهضة أو مناضلي الحرية المتنوعة، وخاصة في ظل البأس الذي تعيشه الأمة، فلا يعني الحصار السياسي، وقف التعاون والتعاضد الفكري، ولا وقف صناعة الفكر الإسلامي الرشيد للشرق.

ذلك الفكر المُفاصل لتمييع الغرب لقيمه وهويته، والمُفاصِل في ذات الوقت لقاعدة التطرف التي تفصل المسلم عن إنسانيته، والباحث في مقاصد الشريعة عن قوة المجتمع الفاضل وحقوقه الدستورية، فضلا عن مشتركاته مع إنسان الشرق ومكوناته، والعمل لعهد السلم الذي أقرته الشريعة والمواطنة لأمة الشرق، يجب أن يسبق أرضية المشروع السياسي.

فإحدى أكبر أزمات الحركة الإسلامية المعاصرة، التي استثمرها خصومها للبطش بها وبأوطانها، هي أمية الثقافة الدستورية الإسلامية ومساحاتها الواسعة، وحيوية الاستنباط للفترات الانتقالية للشعوب، ومعنى تحقيق الضروريات الخمس للإنسان في قواعد التشريع الكبرى.

ومن المهم للغاية أن يُصارَح المجتمع التربوي الإسلامي في الوطن العربي بحقيقة الموقف العلمي وتاريخ الوعي الإسلامي، وهي أن مرحلة وفقه الصحوة في الخليج العربي التي تم تصديرها لمناطق مختلفة من الشرق، فيها جوانب إيجابية وروح تدين وروحانية، لكنها -كطبيعة الحياة الاجتماعية لكل بيئة، وتدخلات السياسة- تحمل إشكاليات وتخلق قطعيات في فكر الفرد هي ليست من أصول الدين ولا رسالته.

وأن الفكر الإسلامي بأصول استنباطه الشرعي غير المسيّس وحراكه الوجداني والبحثي، أوسع بكثير من هذه المراحل، المتأثرة بقرار سياسي أو طبيعة اجتماعية خاصة كما هي في تجارب أخرى.

وأول مسار لصناعة الشرق الإسلامي بناء عقل المسلم المعاصر باستقلال فكري يفتح أمامه مسارات الوحدة وجوامع المجتمعات وفلسفة النهضة الإسلامية ومساراتها التنفيذية. تلك هي مادة الوعي لتقليص مشاريع التقسيم والتخلف الأممية.

الجزيرة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *