داليا الياس : عزيزي العدس

داليا الياس : عزيزي العدس

بعد التحية والاحترام.. أبثك مودتي.. وأتمنى أن تكون بخير.. وعلى ذات عهدنا بك حانياً مترفقاً بجيوبنا الخاوية ومقدراً لكافة أوضاعنا المتعسرة، وذلك الضنك الذي نعانيه طوال العام.
وأعلم يا عزيزي أننا قد جرحنا مشاعرك المرهفة مراراً، ونحن نضعك في ذيل قائمة ما نشتهي من الغذاءات والمأكولات، مقدمين عليك أطايب المشويات واللحوم بمختلف ألوانها وأنواعها.. إذ أننا كنا غالباً لا نلجأ إليك الا من باب التغيير أو لدواعي التقتير حين تخذلنا ميزانيتنا المتذبذبة.. وحالما عبرنا من عنق زجاجة (الفلس) وعدنا للطيبات، اكتفينا بوجودك كنوع من (الشوربة) غير الضرورية ضمن قائمة الطعام في المطاعم الباذخة!!
نحن اليوم يا عزيزي العدس.. نعلم تمام العلم قدرك وجلالك.. ونعتذر عن سوء تصرفاتنا وسوء أدبنا في حضرتك.. ونعترف لك بجهلنا وسذاجتنا.. إذ ظننا لسنوات أن اللحم وحده سيد المائدة.. ودليل الكرم والرفاهية وسعة العيش.. وصاحب النسبة الأكبر من الفوائد الغذائية.. إلى جانب ما كنا نعتقد أن ما يحققه لنا من متعة في تناول الطعام يتطلب أن نهيئ له المقبلات والسلطات، وندعمه بالمشروبات، ونحتفي به على مستوى المناسبات والتجمعات والدعوات العامة والخاصة!!
لقد اقتص لك الزمن يا (عدس) الهناء.. فها هي الأيام تلقي في جوفنا بلحوم (الحمير) والمواشي النافقة والدجاج المعطوب منتهي الصلاحية!!
أصبحت بطوننا مرتعاً (للجيف) حيناً.. وللإسفنج حيناً آخر!! وأولي الأمر فينا لا يحركون ساكناً سوى أن بعضهم يقترح علينا أن نعتزل اللحم المعتاد ونأكل لحم (الضفادع) على اعتبارها عامرة بالبروتين.. وهو لا يدري أن آخر ما يعنينا هو ذلك البروتين.. إننا نحتاج أولاً لكرامتنا.. لإنسانيتنا.. لإحساسنا بآدميتنا قبل أن نحشو أجسادنا بالطعام!!
ولا أعتقد أن هناك هواناً أو ذلاً أشد وطأة على نفوسنا من أن نتعرض لتلك الجرائم العظمى من الاحتيال والنصب.. فنأكل تلك الأصناف الفاسدة المكروهة التي ننفق عليها طائعين حر مالنا الغالي الذي جمعه بعضنا بمعاناة.
لقد قبلنا صاغرين بالخضروات والفواكهة التي تفوح منها رائحة المبيدات.. والمدعومة بالأسمدة الفاسدة.. والمحقونة بالهرمونات الضارة لتحقيق أسرع المكاسب لأولئك الذين يتاجرون بصحتنا وعافيتنا.
مررنا مرور الكرام بارتفاع معدلات السرطنة والفشل الكلوي والأمراض المستحدثة.. واستسلمنا لكل ما تقدم وأكثر.. فساهمنا بفاعلية في ما وصلنا إليه.. لهذا نستحق كل ما يحدث من عبث وألاعيب في ما يتعلق بنظامنا الغذائي الذي تعتمد عليه حياتنا.. ويتسبب في الإعاقات البدنية والذهنية لنا ولأبنائنا على المدى القريب والبعيد !!
فيا عزيزي العدس.. اغفر لنا رجاءً.. واقبل توبتنا وندمنا وعودتنا صاغرين إلى رحابك.. فلم يعد لنا سواك..
أجسادنا واهنة.. وعيوننا شاخصة.. وأمعاؤنا أصابها الغثيان.. وكل ما حولنا يدعو للتقزز والقرف.. وتظل وحدك أملنا الوحيد في وجبة غذائية متكاملة وآمنة.. تنزل على جوفنا برداً وسلاماً إلى حين.. فلاشك أن (مافيا) الطعام ستجد حتماً فكرة مبتكرة تغتال فيها براءتك ووداعتك وملاءمتك لجيوبنا وتجعلك عصياً على مطالبنا.. أو محوراً وراثياً بحيث يتغير حجمك ولونك ومحتواك وتسلمنا للموت البطيئ بفعل المرض.. أو الجوع!!
تلويح:
أستحلفكم بالله يا تجار الموت والجوع.. كفوا أيديكم عن العدس.. فقد تركنا لكم اللحوم دون رجعة وليتها تشبع جشعكم.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *