عثمان ميرغني : ايه بحر الشمال.. وأنت النيل حِدَاك!!

عثمان ميرغني  : ايه بحر الشمال.. وأنت النيل حِدَاك!!

شاب سوداني شغل وسائط الأخبار بعمل خارق (ارتكبه) مع سبق الإصرار.. دخل في النفق الذي يعبر تحت (المانش) ويربط بين فرنسا وبريطانيا.. وسار على رجليه مسافة (50) كيلومتراً هي طول النفق حتى وصل البر البريطاني..
النفق تحت قاع البحر بحوالي (40) متراً وهو مجرى ضيق جداً بالكاد يسع القطار الذي ينطلق فيه بسرعة (160) كيلومتراً في الساعة.. والممر الذي سلكه الشاب السوداني مظلم تماماً وعرضه أكثر من متر قليلاً.. ودرجة الحرارة مرتفعة للغاية داخل النفق مع خطر أسلاك الكهرباء ذات الضغط العالي.. كل ذلك لم يمنع الشاب من تحمل المخاطرة التي في النهاية لم تفعل أكثر من إيقاعه في قبضة الشرطة البريطانية في آخر أمتار قبل الخروج من النفق.. ليواجه محاكمة قد تودي به إلى السجن قبل ترحيله مرة أخرى إلى وطنه السودان..
غالباً.. هذا الشاب من المحظوظين الذين لم تتلقفهم الأسماك في البحر الأبيض المتوسط.. ومن المحظوظين الذين لم تلق بهم عصابات تجارة البشر في عرض البحر أو عرض الصحارى.. فغيره كثيرون لم يبلغوا نعمة التمتع بالدخول في نفق (المانش)..
مثل هذا الخبر عندما يقرأه الناس هنا على كوب شاي مع عنوان في صحيفة أخرى عن استخراج (12) ألف تأشيرة خروج في ثلاثة أيام.. يكشف إلى أي مدى وصلت أزمة الشباب في بلدنا.. اليأس والقنوط من الحصول على فرصة لدى البعض.. ثم الإحباط الذي يلف حول عنق الآخرين ممن نالوا الوظائف لكنهم اكتشوفوا أنها مثل السراب (يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً).. لا تفي بأقل مطلوبات الحياة الكريمة.. بل ربما تصبح الوظيفة نفسها قيداً آخر يخنق الطموح والقدرة على العطاء والإنجاز.
والمصيبة ليست في المصيبة وحدها.. بل في حالة الإنكار العام لها.. فهي ليست في أجندتنا الوطنية.. لا العاجلة الملحة ولا المؤجلة المنظورة.. بلادنا تسير بدفتر أحوال اليوميات العادية أزمة ماء (شرب+أمطار) وكهرباء وغذاء وإلى آخر السلسلة التي تحتفي بها عناوين الصحف يومياً.. لكن الشباب لا بواكي عليهم.. هم بين محرقة الأمل المحروق في عطالة مفتوحة على الشارع المفضي للضياع.. وأمل الهروب إلى المهاجر بلا بوصلة.. أي مهجر في أي قطر.. لأي وظيفة.. بأي وسيلة حتى ولو كان عبر نفق المانش..
ماهي الجهة (الإستراتيجية) التي تنظر في مشكلة هؤلاء الشباب الضائع المحبط.. اتحداكم أن تشيروا لي بأصبع على أي لافتة.. فإذا كان هؤلاء الشباب هم مستقبلنا.. فأقرأوا (فنجان) المستقبل في كفوفهم؟؟
ورددوا مع نزار قباني في قصيدته قارئة الفنجان.. (بتصرف قليل من عندي..!!)
فنجانك دنيا مرعبةٌ
وحياتُكَ أسفارٌ وهروب..
لكنَّ سماءكَ ممطرةٌ..
وطريقكَ مسدودٌ.. مسدود.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *