منى عبد الفتاح : ثورة روحانية

منى عبد الفتاح : ثورة روحانية

ليس غريباً أن تجري أحداث رواية حاج كومبوستيلا، للبرازيلي باولو كويلو، في رحلته التي أسفرت عنها الفلسفة الروحانية، في إسبانيا، وتأخذ من الإرث الصوفي أساسها. ومن أقواله، على لسان بطل الرواية، إنّ الطريق الحقيقية للحكمة تُعرف من أمور ثلاثة، أوّلها الحب الإلهي. وتمثل هذه المقولة الأسلوب الذي سلكه كويلو في رواياته التي تتجلّى فيها فلسفته، وتنطلق، كما انطلقت من قبل فلسفة التصوف، من البصرة والكوفة تجوب المشرق والمغرب العربيين.
وليس غريباً أن يصدر بعدها رائعته (الخيميائي)، وتدور أحداثها ابتداء من مضيق جبل طارق إلى المغرب، ثم مصر. يعود المغرب، الآن، للمواءمة بين الصوفية والسلفية، مخرجاً من نزعات التطرف التي انتشرت في منطقة الشرق الأوسط. وتقريب الصوفية واحتضانها من جديد يمثّل بالنسبة للمغرب ليس عودة للجذور الدينية فحسب، وإنّما لدرء شرّ السلفية الجهادية التي اجتاحت الوطن العربي، ولتخفيف غلوائها، خصوصاً بانتهاجها تكفير النُظُم والحكّام واستخدام العنف محل السلفية التقليدية، التي كانت تركز دعوتها على تصحيح العقيدة ومحاربة الشرك وتكفير الأفراد.
بمقاربة ذلك مع السودان، نجد أنّه على الرغم من مظاهر التصوف الواضحة، والتي تجاهد من أجل البقاء في وجه السلفية والتيارات الدينية المتفرعة منها، لم يتبق غير تهدّج صوت الدراويش بلباسهم الأخضر على أنغام مدح النبي (ص). ويُعتبر صوت الجماعات السلفية الجهادية، التي اتخذت من التطرف طريقاً، هو الأعلى، في مواجهة المتصوفة الذين يتسم أسلوبهم بالزهد في المظاهر الحياتية السائدة سوى بعض النشاز الذين أصبحت هذه الطريقة سبباً في التفاف الناس من حولهم، بغرض استثمار الزعامة للكسب السريع والقبول بالتبجيل ومغالاة الأتباع (الحواريين) في تعظيمهم. ظلّ صوت الصوفية وعدم اهتمام أتباعها بالنزوع نحو السلطة والثروة خافتاً. ولكن، في الاتجاه الآخر، نما غبنٌ واضحٌ بين الجماعات السلفية وزعماء الأحزاب السياسية الذين تمّ تكفيرهم واحداً تلو الآخر. فقد كفّرت الجماعة من رئيس حزب المؤتمر الشعبي، حسن الترابي، ورئيس حزب الأمة، الصادق المهدي، ورئيس الحزب الشيوعي السوداني السابق، محمد إبراهيم نقد.
“المغرب فهو يتحسس الخطر المحدق بشكل عام، ويحاول العودة إلى نمط المرجعيات الدينية التقليدية، لكنه، في الوقت نفسه، يحتفظ بما يطلق عليه حديثاً “الفقه المتحرك””
يمور البلدان الأفريقيان بشكل خاص ببعض نفحات صوفية تائهة، لكن العابرين، مثل كويلو، استطاعوا أن يروا ما أنتجته هذه الأرض من علاقة الخيال بالتجلي الإلهي، كما عند محي الدين بن عربي، الحاتمي الأندلسي المولود من أم أمازيغية. درس الظاهرة كتّاب كثيرون، كان أبرزهم هنري كوربان الذي كتب دراسة مستفيضة عن “الخيال الإبداعي في تصوف محي الدين بن عربي”، كما وردت في دراسات أخرى كثيرة، جاءت كلها مجتمعة في مؤلف لسحر سامي “شعرية النص الصوفي في الفتوحات المكية لمحي الدين بن عربي”، ناقشت فكرة الخلق الشعري عند بن عربي، والتي يتضح، فيما ساقته سامي من بحوث، أنّها لا تنفصل في جوهرها عن فكرة خلق العالم. ثم استخلصت بعض ملامح نظرياته، خصوصاً في التجلي الإلهي وطبيعته الوجدانية والجمالية، ثم في فكرة الخلق تجسيداً لظهور الخالق في خلقه ورؤيته ذاته في مرآة العالم والموجودات.
التصوف في السودان مدارس عديدة يعوزها التوثيق، وما بقي منها لا يخرج إلى أبعد من ترانيم الشيوخ في حلقات الذكر.هان المتصوفة ومن شاكلهم، بناء على مستوى تلقيهم واستعدادهم الفطري لتقبلها. في السودان، استلبت القافية الصوفية الألباب، واستطاعت أن تبرمج أذن أسير الهوى الإلهي، من دون قيد أو شرط، فقد رسخت ألوان كثيرة من النظم المقفى وغير المقفى في أذهان المتصوفة ومن شاكلهم، بناء على مستوى تلقيهم واستعدادهم الفطري لتقبلها، فالنظم المقفى جاء بناء على خلفية غير عميقة من الشعر العربي القديم وغير المقفى منه سلك نهج المعاني، وعلى الرغم من أنّه غامر بالتقفية في سبيل إنقاذ المعنى، إلّا أنّ الإثنين يصبان في معين نظم موسيقي متولد عن إيقاعات داخلية، تحررت من شروط الوزن واستبدلته بشروط الإيمان. وهو ببساطة خليط من التراث الديني وعقيدة الإيمان، ولو أنّ بعضهم، بدون وعي، حوّله إلى ميثولوجيا قابعة داخل أسوار الزمان والمكان، إلّا أنّ بعضاً آخر واعياً يتعامل مع أشكال المدح على أنّها روح خارجة من النص الديني تفصيلاً وعائدة إليه.
استطاع المدح النبوي في السودان، مثلما في نص ابن عربي، أن يكتشف علاقة جديدة بين مفردات الكون التي تخضع لتفرد نظرة الشاعر وقوة خياله، ففي حلقة الذكر يمكننا أن نرى كيف ينتقل الإحساس والفكرة من خلال النبض الشعري، بسلاسة متناهية، بين المؤدي ومجموعة المتلقين، حتى تصبح الحلقة أشبه بمسرح لأحداث يحركها الأثر الفني.
ربما نجح السودان، إلى حد ما، في إبقاء النهج الصوفي في الظل، للجوء إليه في ساعة الشدة المذهبية، أما المغرب فهو يتحسس الخطر المحدق بشكل عام، ويحاول العودة إلى نمط المرجعيات الدينية التقليدية، لكنه، في الوقت نفسه، يحتفظ بما يطلق عليه حديثاً “الفقه المتحرك”.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *