التاريخ السري لأول مراقب للإخوان المسلمين بالسودان..حقائق تُنشر لأول مرة

هذه (…) حكاية أول انقلاب داخلي في جماعة الإخوان المسلمين بالسودان

الإنجليز اعتقلوا الشيخ علي طالب الله لمدة عام لقيادته المظاهرات

كيف التقى الشيخ علي طالب الله بالإمام البنا سراً في القاهرة وبايعه

طالب الله شهد ضد محمود محمد طه في محكمة الردة في ستينيات القرن الماضي

لم يُدعَ الشيخ علي طالب الله لمؤتمر الإخوان عام 1954م رغم أن الخطابات كُتبت باسمه

الهضيبي وقواعد الإخوان في السودان طالبوا بعودة الشيخ علي طالب الله مراقباً عاماً لكنه رفض أن يساهم في انشقاق الإخوان

حوار: حسن عبد الحميد

الشيخ علي طالب الله أول مراقب عام للإخوان المسلمين في السودان، رغم خطورة المنصب الذي احتله الرجل أيام الاستعمار الإنجليزي للسودان ومجاهداته الكبيرة في سبيل ترسيخ دعوة الإخوان في السودان؛ إلا أن المعلومات حول الشيخ علي طالب الله شحيحة جدًا.

ولتسليط الضوء على حياة هذا المجاهد؛ جلسنا إلى ابنه أبو المكارم علي طالب الله بمنزل الشيخ علي طالب الله بأم بدة بأم درمان، وهو منزل متواضع كان يسكنه الشيخ علي طالب الله وأسرته رغم أنه كان من خريجي كلية غردون التذكارية ومن قادة مؤتمر الخريجين.. أبو المكارم بحكم معايشته لوالده هو الأقدر على سرد جوانب غير معروفة في حياة أول مراقب عام للإخوان المسلمين في السودان… وأبو المكارم نفسه لا تخلو حياته من مفارقات وغرائب سنعرض لها إن شاء الله بعد الفراغ من سيرة الشيخ علي طالب الله.

ـــ متى ولد الشيخ علي طالب الله؟ وأين كانت نشأته الأولى؟

الشيخ علي طالب الله الشيخ محمد ولد عام 1910م بالقطينة، وهو دنقلاوي هاجر أجداده أيام التركية السابقة، واستقروا بالنيل الأبيض منطقة القطينة، وسرعان ما تجمع مجموعة من أهله وأعمامه وأجداده واستقروا بالقطينة، وجدنا الشيخ محمد كان رجلاً حافظا للقرآن ومتديناً. ولما جاءت المهدية أخواله الأربعة استشهدوا في المهدية في مجموعة من المعارك مع عثمان دقنة، وبعضهم حارب مع عبد الرحمن النجومي. ودرس الخلوة والكتاب والمرحلة الأولية بالقطينة، وبعدها افتتحوا كلية غردون التذكارية، فدرس فيها وتخرج في قسم المحاسبة عام 1930م، وعمل محاسباً ببعض مشاريع النيل الأبيض، ثم انتقل إلى مشاريع دنقلا، وعاد بعدها إلى مدني، وفي مدني تعرف على حركة نوادي الخريجين وكانت في بدايتها، وهي التي أفرزت مؤتمر الخريجين وكانت بداية الحركة الوطنية.

ـــ أثناء انخراطه في حركة الخريجين لا بد أن يكون قد تعرف إلى رجال الحركة الوطنية في ذلك الوقت.

الشيخ علي طالب الله تربى وهو محب للجهاد ومبغض للكفر، وعندما بدأت حركة مؤتمر الخريجين وبدأوا يؤسسون أندية الخريجين، انخرط معهم بغرض التوعية الوطنية ضد الاستعمار، وعندما تأسس مؤتمر الخريجين وكان بقيادة إسماعيل الأزهري وآخرين كان الشيخ علي طالب الله عضوًا في أول لجنة لمؤتمر الخريجين (اللجنة الستينية)، وفي ذلك الوقت نادوا بتكوين الحركة الاتحادية مع مصر، لأن السودان لا مشكلة له مع مصر، ومصر نفسها كانت مستعمرة بريطانية. وقد كان الشيخ علي طالب الله اتحادياً في البداية، ثم ظهر خلاف حول طريقة الوحدة مع مصر هل تكون تحت التاج المصري، أم تكوين اتحاد فدرالي مع مصر، والشيخ علي طالب الله كان مع الخيار الثاني، وكان تيار الاستقلال الذي ينادي بالسودان للسودانيين يقوده السيد عبد الرحمن المهدي، والشيخ علي طالب الله كان حلقة الوصل بين السيد عبد الرحمن المهدي وإسماعيل الأزهري، ثم بدأ الشيخ علي طالب الله ينشئ علاقات مع السيد علي الميرغني، وكان يسعى للتوفيق بين السيد علي وبين إسماعيل الأزهري، وبينهما وبين السيد عبد الرحمن المهدي.

ــ كيف تعرف الشيخ علي طالب الله إلى حركة الإخوان المسلمين؟

في ذلك الوقت ظهرت حركة الإخوان المسلمين في مصر، وظل يتتبعها، وكان رجلاً مستنيراً يقرأ كل الكتب التي تصدر من مصر أو العراق أو لبنان، وسمع بحركة الإخوان المسلمين في مصر، ورأى أن يؤسس حركة الإخوان المسلمين في السودان بناءً على قراءاته لأدبيات الإخوان، وعندما كوّن أول مجموعة للإخوان المسلمين في السودان وكان معظمهم من أبناء الختمية والأنصار.

ـــ هل كان للمصريين العاملين في السودان أثر في التزام الشيخ علي طالب في سلك جماعة الإخوان المسلمين؟

نعم، فقد التقى الشيخ علي طالب الله في الخرطوم بعض الإخوة المصريين العاملين في الري المصري بالخرطوم، وهم من الإخوان المسلمين المصريين، وأبرزهم محمد عاشور مسؤول الصيانة بالري المصري بالخرطوم، وقد كان خطيباً، وقد استمع إليه الشيخ علي طالب الله في أحد مساجد الخرطوم، وجلس إليه واتفقا أن يكونا أول أسرة للإخوان المسلمين بالسودان، وكان هذا في بداية أربعينيات القرن الماضي، وكان من ضمن أول أسرة عوض عمر الإمام، وحامد عمر الإمام.

ــ هل اقتصر تكوين الجماعة على الخرطوم فقط في ذلك الوقت؟

هؤلاء بدأوا تكوين جماعة الإخوان المسلمين في السودان، وفي الأقاليم الشمالية التسعة المعروفة آنذاك بدأوا تكوين شعب وأسر للإخوان المسلمين، وانضمت مجموعات كبيرة في ذلك الوقت للإخوان المسلمين وأغلبهم من الخريجين الذين تربطهم علاقة بالشيخ علي طالب الله أثناء عمله في مؤتمر الخريجين، والشيخ علي طالب الله كان رئيس تحرير جريدة المؤتمر، وكان له مناديب في الأقاليم الشمالية التسعة وهذا ما ساعده في تكوين جماعة الإخوان المسلمين في الأقاليم، والأزهري كان على علم بما يقوم به الشيخ علي طالب الله، وكان العمل سرياً، وكان الأزهري يعاونه باعتباره عملاً إسلامياً. وبدأ بعد ذلك الاتصال بالجهات النشيطة ككلية غردون الجامعية، وكان في ذلك الوقت يأتي إخوان مصريون لزيارة السودان.

ــ ماهي قصة لقاء الشيخ علي طالب الله بالإمام حسن البنا؟

لدينا عمنا مصطفى طالب الله في القاهرة، وقد تزوج هناك، والشيخ علي طالب الله سافر إلى القاهرة، وكانت له مهمتان في القاهرة، مهمة تتعلق بالخريجين كلفه بها الأزهري، والمهمة الثانية لقاء أخيه مصطفى، وكان ذلك في منتصف الأربعينيات، وهذه الزيارة كانت سرية، وهناك قابل الإمام البنا سراً، وبايعه ثم عاد إلى السودان.

ــ المستعمر الإنجليزي ألم يشعر بهذة الحركة الوليدة؟

الإنجليز في ذلك الوقت شعروا بأن حركة الإخوان المسلمين أصبحت كبيرة، والدعوة في المساجد انتشرت ونشطت، والإنجليز اتصلوا بالشيخ علي طالب الله وحذروه من الالتقاء بمحمد عاشور، وقالوا له سننقل محمد عاشور، ونريد منكم أن تلزموا الهدوء، وعلم من محمد عاشور بأنه سيتحرك يوم الجمعة من محطة السكة حديد بالخرطوم، فقام الشيخ علي طالب الله بإخطار الإخوان المسلمين الذين تجمعوا في المحطة يوم سفر محمد عاشور وهتفوا ضد الإنجليز، وفي المظاهرة هدد الشيخ علي طالب الله بأننا مستعدون لمقاتلة الإنجليز، فأخذ الإنجليز الأمر مأخذ الجد وقاموا باعتقال الشيخ علي طالب الله. وبعد الاعتقال جاء الإنجليز وفتشوا البيت، ووجدوا مسدساً في شنطة الشيخ علي طالب الله، وحكموا عليه بأربعة شهور سجناً، ثم حاكموه مرة أخرى في قضية المسدس وأكملوا الحكم إلى سنة.

ـــ كيف تلقى الإخوان في مصر نبأ اعتقال الشيخ علي طالب الله؟

سمع الشيخ حسن البنا باعتقال الشيخ علي طالب الله، وحادثة محمد عاشور، فأرسل مناديب مصريين إلى السودان ليقفوا مع الشيخ علي طالب الله، وأصدر قرارًا باعتبار الشيخ علي طالب الله هو المراقب العام للإخوان المسلمين بالسودان، فالشيخ علي طالب الله قد تم تعيينه من قبل مؤسس الجماعة ومرشدها الأول، وعندما خرج الشيخ علي طالب الله من السجن وجد نفسه مراقباً عاماً للإخوان المسلمين بالسودان بقرار من الإمام حسن البنا.

ـــ في السجن هل التقى الشيخ علي طالب الله بسياسيين سودانيين في ذلك الوقت؟

في السجن التقى الشيخ علي طالب الله ببعض السياسيين المعتقلين، ومن ضمنهم كان محمود محمد طه، وكان محمود محمد طه يؤمهم في الصلاة بالسجن، ولكن في الأيام الأخيرة بدأ محمود محمد طه يصرح ببعض أفكاره المخالفة، فناقشه الشيخ علي طالب الله قبل خروجه من السجن، ولاحقاً شهد ضد محمود محمد طه في المحاكمة التي جرت لمحمود في منتصف الستينيات.

ــ كيف جرت الأمور على صعيد الدعوة بعد خروج الشيخ علي طالب الله من السجن؟

بعد خروج الشيخ علي طالب الله من السجن واصل مع مؤتمر الخريجين في تأسيس المدارس الأهلية، وكانت مجموعة من الخريجين قد قدمت استقالاتها من الحكومة وتفرغوا للتعليم، وكان منهم الشيخ علي طالب الله، وهذا ساعد في تكوين جماعة الإخوان المسلمين في الأقاليم لأنه كان كثير السفر، وجاب أقاليم السودان كلها للتبرع للتعليم الأهلي في السودان، بالإضافة للعمل في مجال التعليم الأهلي كان يباشر العمل الدعوي من خلال المساجد والخلاوي.

ــ برزت لاحقاً في الإخوان خلافات بين أسلوب التربية وأسلوب العمل السياسي.. هل كانت لهذه الخلافات جذور أيام الشيخ علي طالب الله؟

كان الشيخ علي طالب الله يركز على أن تكون حركة الإخوان المسلمين حركة جماهيرية لا حركة صفوية، وكان يعتمد أسلوب التربية، وهذا هو سر الخلاف بينه وبين بعض الإخوان آنذاك، فقد ظهرت مجموعات من الإخوان أثارت موضوع العمل السياسي وتوسعت في مجال المرأة، والشيخ علي طالب الله كان في خلاف مع هذه المجموعات. خاصة بعض الطلاب في الجامعة كبابكر كرار وناصر السيد وعبد الله زكريا، وكان مجموعة منهم يسميهم الطلاب الشيو ـ إسلاميين، يعني خليطاً من الشيوعية والإسلام، وكان الشيخ علي طالب الله يحذر من هذه المجموعات.

ـــ عام 1954م قام أول مؤتمر عام للإخوان المسلمين في السودان.. ما هو موقف الشيخ علي طالب الله من قيام المؤتمر؟ وكيف تصرف مع نتائجه؟

عند قيام المؤتمر العام للإخوان المسلمين عام 1954م لم يُدع الشيخ علي طالب الله لهذا المؤتمر، ويعتبر هذا أول انقلاب داخلي في جماعة الإخوان المسلمين، وجاءه خبر بأن هناك وفوداً تترى لتشارك في المؤتمر بالخرطوم، فرفض المشاركة في المؤتمر وكان هذا أول خلاف بينه وبين بعض المثقفين في الإخوان المسلمين. وجاءه أحد الإخوان وقال له اليوم سينعقد مؤتمر الإخوان المسلمين بالسودان، فقال له لا علاقة لي بهذا المؤتمر ولن أحضره، علما ًبأن الخطابات التي أرسلت للأقاليم أرسلت باسم الشيخ علي طالب الله.

ــ ما هي ردود الفعل على صعيد قواعد الجماعة؟

في اليوم التالي للمؤتمر جاءت مجموعة من الإخوان إلى الشيخ علي طالب الله وذكروا له أنه المراقب العام ولن يستطيع أحد إقصاءه، فقال لهم إن الدين عند الله الإسلام،وأنا مسلم، وكنت أشعر أن المسؤولية كبيرة، والعمل قد توسع، وأنه كان يتحمل تكليفاً في الفترة السابقة، وما داموا قد أقدموا على هذه الخطوة فليتحملوا المسؤولية، وبعض الإخوان طالبوا بعودته ولكنه منعهم واعتبر أن هذا سيقود إلى انشقاق ورفض أن يواصل في منصب المراقب بعد المؤتمر.

ــ ماهي ردود الفعل من الإخوان في مصر آنذاك؟

بعد المؤتمر جاءه وفد من الإخوان المصريين، وطالبوه إما بإعادة انعقاد المؤتمر، أو أن يعود إلى منصبه كمراقب عام للإخوان في السودان، وقد أرسل هذا الوفد الأستاذ الهضيبي مرشد الإخوان المسلمين آنذاك، لكن الشيخ علي طالب الله اعتذر بأنه لا يريد أن يتسبب في انشقاق بالإخوان المسلمين في السودان. وعندما ألح عليه الإخوان المصريون طلب منهم إعفاءه من المسألة، وكانت علاقته بالإخوان المسلمين جيدة بعد ذلك.

الصيحة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *