حسين خوجلي : عـلـيــك أن تـخـــتــار : إمـا أنـا وإمــا…!!

< المرحوم أحمد حسن الزيات صاحب «الرسالة» ذلك النبع الذي استقى منه أدباء الأربعينيات .. الطرح الموثق وناصع الفكرة وجميل الأسلوب.. كان يعجبنى جداً في صراحته حين يكتب عن الكبار.. فهو صاحب منهج فيه الكثير من الصراحة والوضوح والتشريح والإفادة. ولذلك نمت الكلمة وانداح الأدب في كل القطاعات وصار للرسالة المجلة جمهور أكثر من جمهور الكرة وقراء يفوقون قراء الكف والحظ ولاعبي النرد والشطرنج ومتابعي السباق مجتمعين.. < وبالرغم من سمعة حافظ وبطران وشوقي وسطوتهم على العامة والخاصة فقد كان يكتب عنهم بوضوح العارف حتى يقلق ما اتفق عليه القوم وتواضع عليه القطيع.. وبالرغم من الدوي الهائل لحركته النقدية المتسمة والمزلزلة فإن الصحافة سرعان ما تقدر فكر الرجل ونصاعة بيانه وتسلل رؤيته لمفاصل القضية مباشرة دون زيغ أو مجاملة أو مداهنة أو تجمل.. وعندما زار مبدع العراق الكبير وشاعرها الضخم صدقي الزهاوي كتب بلا مجاملة يشرح حالة الشاعر الكبير بلا مواربة أو خوف وقد قال فيه كلماته الشهيرات بأنه وجده بقايا موهبة ذهب عنه بريق البوح الأول ونضارة المبادرة البكر واستسلم في بقايا دارٍ قذرة مليئة بالأصحاب التافهين الذين لا يضيفون لتجربته وثقافته شيئاً بالعكس وقد كانوا يطرحون بسالبهم عنه كل جماله وجمائله، وصرح الزيات مختصراً حياة الزهاوي: لقد صار شعره ضعيفاً لا روح فيه ولا جديد بعد أن تكالبت عليه المولجات الثلاث: (لعب الورق وشرب العرق واستباحة الجمال). < وكل فن أو صنعة أو فكرة أو تجربة لا يطالها النقد الصريح والتشريح الشجاع لا تتطور في مناخها وفي ظروفها ولا تفيد مستقبلاً كقدوة أو كتجربة يستقي منها أهل بيئتها المزايا والعبر.. تحزنني جداً هذه الأيام الموضة المكتسحة من التبريرات الزائفة واللغة الوردية في مدارات أخطاء إقتصادية واجتماعية، فالمؤسسات الخاسرة حين تتراجع وتنهار تبدأ ببيع أصولها قطعة بعد قطعة بالرغم من أنها ترى بعينيها سوء المصير القادم لا محالة.. إلا أنها تؤجل الموت القادم بالمسكنات فتصرف الرواتب وتدفع الامتياز حتى ينقطع الرجاء وتصبح بئراً معطلة وقصراً مشيداً وهنا يطرد المدير الشغيلة وتطرده هو شخصياً الظروف وتنتهي المؤسسة بحزمة من الأقاويل والترهات ويؤول الأمر كله إلى مكاتب العمل ثم إلى رب العالمين الذي يمهل ولا يهمل.. الأمثلة كثيرة في شتى المناحى وإن كانت هذه وحدها في دائرة التوسل لأصل في بعض طرائق التفكير التعميمي والتبريري الذي اعترانا، فقد حدثني أحدهم قبل أيام ان قلماً صبياً قد هاجمني في إحدى الصحف بأنني قد قلت أن التيجاني يوسف بشير مات مسلولاً وفقيراً وأنني قد بررت ذلك بأنه لم يحدث في الأزمنة الوطنية ولكنه حدث في زمن الاستعمار. وقد ذكر مثالاً جديداً لشاعر غنائى متسائلاً إذن لماذا مات هذا؟.. وضمخ أفكاره بمجموعة من العبارات الإرهابية حول الكدح والكادحين.. وملح الأرض كأنما العالم مازال يعيش في مرحلة الحرب الباردة وأن ستالين بجبروته ما زال يطبق بالبندقية شعار الاشتراكية في مرحلة الجبهة الوطنية الديمقراطية. ولو كان عقلنا متحرراً من قيد العاطفة والمجاملة والخوف لقلنا بصراحة جارحة أن هذا الشاعر اعطاه الشعب من حسه ورعايته واهتمامه الكثير حتى صيره استاذاً جامعياً في ساحة يقف لها أحرار طلابنا وحرائره في إحترام وتقدير. وقد اكمل جميله رغم فقره بابتعاثه وتدريبه بالخارج.. وزوج له اكثر من امرأة وطلق له الأخيرة لانها حاصرته يوماً قائلة: (عليك أن تختار إما أنا وإما العرقي؟).. فقال لها طبعاً (العرقي)!! وتم الطلاق بسهولة شديدة وصار حكاية الشعراء والفنانين وقصة مجالسهم.. < وأنا أعرف مجموعة من أطباء بلادنا ومستشفياتها قاموا بعلاجه من الأدمان وأمراضه المتفرعة.. ولكنه كان للأسف يعود من حيث أتى يحطم ذاته وموهبته ومكانته التي وصلها. بعد أن صنع الكثير من جميل الأشعار والأغنيات وبنى مجداً في منابر العامية لا يضاهى، وكان كل الناس ينتظرون منه الكثير بعد أن نضجت تجربته الإبداعية وكادت ولكنه أبى.. < ليس عيباً أن نذكر مولد شعرائنا وتربيتهم وعقدهم الواضحة والدفينة وتنقلاتهم الفكرية من مدرسة الى مدرسة وليس عيباً أن نسلط الضوء على نهاياتهم التي تكون دائماً درامية وفي بحر التراجيديا. ليس عيباً أن نهتف أن فلاناً وفلاناً وفلاناً من الشعراء والفنانين والمبدعين قد إغتالهم (داء العرقي) اللعين الذي يصنع في (الحفر) والدهاليز والكواليس بأقذر الأيدي وبأتفه المكونات.. إن الشجاعة في طرح النهايات يسمى الداء باسمه وحقيقة فإن (العرقي) كما قال صلاح أحمد إبراهيم أحد عناصر الهدم لبعض المتعلمين والمثقفين في بلادنا.. دعونا من لغة (لقد تلاشى من زماننا الردئ بأن روحه الشمعة ووجدانه البنفسجي أبيَّا التطبيع مع قساوة السوق وخيانة الدولار) . دعك من لغة (المهجر) ودعنا نتحدث (واقعية) ونعلنها حرباً شعواء ضد هذا (السم الهاري)!!

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *