تذكرة في بلاد إيلا

لا تفكر كثيرا في التحصيل الإلكتروني ما دمت في مدينة ود مدني فهذه الدعابة لم تصل لمدينة الضيف الجديد إيلا، وإليكم دليلي علي ذلك، فقد دخلت لمستشفى المدينة أمس بتذكرة تحمل الرقم (880450) فئة الأربعة جنيهات وكانت عبارة عن ورقه عادية جدا، ومازلت أحتفظ بها حتى لا تثور في وجهي حكومة إيلا، وحتى لا أطمس معالم الجريمة أو أملك الدليل عليها، لكن بالطبع فإن البوابين علي العكس تماما كانوا يأملون أن تتمزق ورقتهم، بل إنهم لم يرضوا بخطوتي، وثارت ثورتهم في وجهي بصوت عالٍ “لازم تشرطها أو ترجعها”!
استرسل الحوار مع مديرة الحسابات عندما علت الأصوات وقالت “إنت عايز تعرف شنو؟” أجبت ببراءة: “الجهات المسؤولة عن استخراج الإيصال الإلكتروني” أحد رجال أمن المستشفى تدخل بقوله: “دي ما مسؤوليتنا يا زول بس مزق لينا التذكرة أو أدخل”.. عادت السيدة مرة أخرى “يا سيد إنت عايز تعرف شنو؟” اجبتها “أنا عايز أعرف ليه ما نفذتم قرار وزير المالية بخصوص الإيصال الإلكتروني” أجابتني بحذق: “أربعة جنيه بسيطة علي الإيصال الإلكتروني نحن نجمع كل الإيصالات والمبالغ وبعدين آخر اليوم نقرشها في إيصال واحد.. شكرا ليك.. خروج”
مشهد آخر: في فناء المستشفى الكبير اخترت مكتبي المدير الطبي والمدير العام الطبي، أطلقت سؤالي لإحدى الموظفات أظنها سكرتيرة كانت تجلس أمام منضدة أمسكت بجهاز الموبايل وهي تمرر يدها عليه: أستاذة ممكن نقابل المدير العام؟.. لم تلقني اهتماما لجهة مشغوليتها بالبحث في مواقع التواصل الاجتماعي على الأرجح ومن تحت نظارتها قالت: إنتو عايزين شنو؟ المدير ما موجود.. أجبتها: “صحفي”، حينها وضعت الهاتف من يدها علي الطاولة ثم أمسكت بطرف نظارتها.. تفضلوا أي خدمة، ابتسمت وألقيت طلبي مباشرة: أريد مقابلته.. ردتني بحسرة: “معليش مقابلة المدير العام إلا عبر رسالة من الوزارة لأنو ما حيديكم أي تصريح ولا إفادة”.. ابتعدت عنها بشيء من الضيق وأنا أتمتم: “شكراً جزيلاً”..
مشهد ثالث: المستشفى حاله يغني عن سؤال إدارته وتأتي الإجابة باسطة يديها بسلام، عنابر متسخة، أسرة بلا أغطية أو لحافات، دورات مياه آسنة، مرافقو المرضى يتسابقون بروشتات العلاج والفحوصات، الهواجس والآلام تبدو مطبوعة على محياهم، وجيوبهم تبدو كذلك خاوية من المال، سألت أحدهم ويدعي أحمد ود العشا قادم من قلب الجزيرة قال لي: أنا منذ شهر مع والدتي التي أصيبت بألم في المعدة صرفت كل ما لدي من مال من أجل علاجها ولكن هذه هي حالتنا أمامك، لا عناية ولا رعاية، يواصل ود العشا في شكواه “لا يوجد طبيب يتابع حالة المرضى لكن رغم ذلك الحكاية ماشة” لكنه يؤكد أن إدارة المستشفي تبرع في طرد المرافقين والزوار بين الفينة والأخرى لتسمح لهم بالدخول مرة أخرى حتى يضمنوا مزيدا من الدخل اليومي

اليوم التالي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *