يا ليل أبقالي شاهد.. متلازمة النوم والسهاد والعيون الناعسة في أغاني أبو صلاح

تتلازم الأشياء في مسمياتها وتصبح واحدة من المسميات ذات التزاوج ما ببن الصفة والموصوف وبين التابع والمتبوع، وهي في وجودها داخل أغاني الحقيبة تشكل لوحة من التتابع اللفظي ذات سلاسة لغوية، تكشف جماليات الكتابة عند شعراء الحقيبة الذين أبعدوا في إيجاد الصور الجمالية البديعية في جميع أغانيهم، واحدة من المتلازمات التي حرصوا على إيرادها في عديد الأغنيات، التي نستهدفها في هذه المساحة متلازمة (النوم والسهاد والعيون الناعسة) التي حفلت بها أشعار الكثيرين من رواد غناء الحقيبة، وهنا نتناول نماذج من أشعار صالح عبد السيد (أبوصلاح)، الذي استخدم فيها هذه المتلازمات.
يقول المؤرخون إنه أقدم أولئك الروّاد وأغزرهم إنتاجاً، وهو المولود بالموردة عام (1890م)، تلقى فيها تعليمه الأولي، وبالتالي القراءة والكتابة بخلوة الفكي الشيخ مكي حسن حسين، وهي الخلوة التي مكث بها فترة استظهر من خلالها جزء من القرآن والحديث، وقراءة للقرآن شكلت اللبنة الأساسية لمفرداته وشحنها بالصور البلاغية البديعية، ففي كثير من أغنياته نجد من المحسنات البديعية (الجناس والطباق) والأشكال البلاغية المختلفة التي حفلت بها أغنياته، حاولنا في هذه المساحة نستعرض بعض الأغنيات التي حوت على متلازمة (النوم والسهاد والعيون الناعسة) في شعر أبو صلاح، وخرجنا بهذه الحصيلة:
يا ليل أبقالي شاهد
واحدة من أجمل الأغنيات التي نظمها أبو صلاح، وحفلت بهذه المتلازمة، الليل هو بداية للسهاد وعدم النوم، ويرتبط بالخيال والأحلام. ويقول فيها: “يا ليل صار ليك معاهد طرفي اللي منامي زاهد/ دن لي سهر وأشاهد فوق لي نجمك ظنوني/ يا جميل لي سهري واجد وأراك نايم وهاجد”. وهنا يشير الشاعر إلى أن طرفه صار معاهد لليل بزهده في النوم بسبب الشوق، وهو يشاهده نجومه، والمحبوب الذي تسبب في سهره نايم وهاجد وبعيد عنه.
وجه القمر سافر
وفي هذه الأغنية يستعطف فيها الشاعر حبيبته بأحد المقاطع عن العيون الناعسة، والحواجب والخدود والثغر، ليُسمح له باللقاء ولو في المنام، في قوله: “وحياة طرفك الناعس وحياة حاجبك الداير وحياة خدك المجلى ومنظوم ثغرك الناير بى لقاك تسمح لو كان في المنام زاير”.
الناعسات عيونن
ارتبطت العيون الناعسة في غناء الحقيبة عموماً بالغزل العفيف (المحترم)، وأغلب الشعراء الذين تغنوا بالعيون الناعسة قصدوا منها جمال العيون فارتباط (نعاس العيون) عندهم بالدعة والتنعم، باعتبار أن الحبيبة ناعسة العيون من المنعمات اللائي لم تكدر صفوهن صروف الحياة. ويرى الكثير من الشعراء أنه نوع من الدلال بسبب هدل الجفون ونعاسها، خاصة وأنه لا توجد أدوات مكياج كما الآن، فالمكياج الوحيد هو الكحل الحجازي الذي يجلبه الحجاج مهم، وحفلت أغنيات كثير بذكر العيون المحكولة، وفي هذا كتب أبو صلاح أغنية الناعسات عيونن رغم الخلاف حولها بأن كاتبها مسعد حنفي إلا أنها عرفت باسم أبوصلاح، وتقول: “الناعسات عيونن نور جبينن هلّ/ مابين تبر صافي واخضراني اللون”.
لحظك الجراح
هي من الأغنيات التي حوت ذكر السهاد وعدم النوم في أحد مقاطعها حتى اسمها يحوي على ذلك (لحظك) وهي إحدى متلازمات السهاد، وذكر ذلك صراحة في المقطع الذي يقول: للقلوب شرّاح مبتهج شيء عجيب مسجون وعندو سَرَاح بيّ ضاق الكون لا أجدلو بَرَاح منّي فارق ، وشال نوم عيوني ورَاح”.
يا جوهر صدر المحافل
الأغنية حفلت بصور جمالية، وكانت إحدى أهم الأغنيات التي قدمت أبوصلاح شاعراً فذاً، ووجد فيها نقداً حول قافيتها بكلمة (إتلطفيلا)، حيث ذكر الراحل الأستاذ مبارك المغربي في أحد اللقاءات التلفزيوينة أن البعض يرى أن الشاعر لو قال (إتلطفيبا) لكان أجمل من ناحية المعنى، إلا أن هذا الحديث رده بأن أبوصلاح بكلمة (إتلطفيلا) لا يعني الترفق بل يعني اللطافة هنا بمعنى التجميل وحسن المنظهر، وحول متلازمة النوم والسهاد يقول: “ليك جوز عينين نعسان وكاحل وخصرا يميل وصدر راحل/ ولى وجدي اللي جسمي ناحل بحر الشوق ما ليه ساحل/ بيني وبين النوم مراحـل وين للطيف أنا القى حيله”.
يا سمير بي نظرتك
أما أعنية (يا سمير) فحفلت بالعديد من المعاني البديعية في الطباق والجناس، كما احتشدت بصور متلازمة النوم والسهاد في أكثر من مقطع مثل قوله: “من هواك أنا جسمي دايماً في ارتعاد أمّا نومي الفرّ ما منظور يُعاد/ يكفي وجدي ويكفي هجري والبُعاد رق وجود وانظر لي راحات قلبي عاد”، كما يقول في جزء آخر من ذات الأغنية: “يا نُسيِّم نومي قلّ وزاد عناد استعد اصبَح عليك الاستناد”..
حن يا قمر
أبوصلاح حرص على ذكر السهاد وعدم النوم في عدد كبير من أغنياته في هذه المساحة وخلال بحثنا في أغنياته وجدنا أن هناك (9) أغنيات اشتملت على هذه العبارات في متونها، وتعبر عنده الشاعر عن الشوق، وفقد الحبيب وقسوته، مثل قولة في أغنية حن يا قمر: “حن يا قمر أوفى لي ميعادا منامي خاصمني و لي عادا/ غمضة اجفانى طال بعادا وسال دمعي البقـالى عادا”,
بدور القلعة
كما نجد في أغنية بدور القلعة التي ابتدرها بذكر السهر في أول مقاطعها، بذكر السهر بسبب جمال عيون المحبوبة. “العيون النوركن بجهرا/ غير جمالكن مين السهرا/ يا بدور القلعة وجوهرا”.
أغنيات أبوصلاح دوحة غناء يعجز الباحث فيها عن الوصول إلى أغوارها، في هذه المحاولة سعينا لفتح مسارات للمهتمين بالبحث عن جمال وإبداع الشاعر بإيراد مفردات بعينها في أغلب الأغنيات. وكانت متلازمة النوم والسهاد والعيون الناعسة واحدة من المفردات التي تردد ذكرها في العديد من الأغنيات حصرنا في المساحة على إيراد جزء منها، أثراً للساحة بروائع أبوصلاح. وأخيراً نورد مقطع من (لو تجازي ولو تسمحي) يشير فيه الى أن جمال المحبوب يذبح نوم العيون بقوله في المقطع: “بهجة ونور تصبحي وفي قلوب الناس تربحي/ خـلي القـلب البتنبحي وهاك نوم العين أضبحي”.

اليوم التالي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *