الطاهر ساتي : تشرب عصير؟

الطاهر ساتي  : تشرب عصير؟

:: كم عدد اللغات واللهجات التي تتحدث بها البشرية في عالمنا هذا؟.. الله أعلم، فهي تقدر بالآلاف..ومع ذلك، تبقى لغة المصالح هي الأقوى والأوسع إنتشاراً في عالم اليوم.. وهي لغة بلا حروف أو تشكيل، ولا تُنطق، بل تُمارس كأي مهنة، ويفهمها الجميع ..ولا مكان اليوم للمثالية و الإنسانية في خارطة العلاقات الدولية، بل لغة المصالح فقط لاغير..( إمسك لي و إقطع ليك)، (واحد زايد واحد يساوى إتنين)، ( حقي كم؟)، أوهكذا قواعد لغة العصر التي تخاطب بها الدول بعضها، بعد أن تغسل ( وشها بالملح)..وما لم تتعلم أية دولة في العالم هذه اللغة المعاصرة، فعلى شعبها القبول بالعيش تحت خط الفقر مدى الحياة..!!
:: ويوم الخميس الفائت، بعد الترحيب بهم، كتبت بأن السودان لم يخرج من معارك سوريا و اليمن إلا باللاجئين فقط لاغير، بيد أن تركيا والأردن ومصر وغيرها من الدول العربية خرجت من ذات المعارك باللاجئين ثم بالصناعة السورية وخبراتها ورؤوس أموالها..وذكرت فيما ذكرت – بالأرقام – مئات المصانع السورية التي نجحت السياسيات المصرية والتركية والأردنية في إنتشالها من سوريا، لتعمل وتنتج وتستوعب آلاف الشباب بمصر والأردن وغيرها ..ثم تساءلت أين السودان من هذه المغانم، أم أن قدر السودان هو أن يحارب بالوكالة و يستقبل اللاجئين بالوكالة ويداوى الجرحى بالوكالة، ثم يعف – بالأصالة – عند المغنم..؟؟
:: والتساؤل لم يعجب البعض، وهم البعض غير المواكب للغة العصر .. وبعد منتصف مساء السبت، كنت بمستشفى حاج الصافي بالخرطوم بحري، وكانت الحكومة هناك لإستقبال الفوج الأول من جرحى اليمن (58 جريحاً).. وهناك أفواج على الطريق، فالعدد المقدر (400)..كل وزراء الصحة، الإتحادية والولائية، وكل الوكلاء وبعض العاملين بالوزارة، وكذلك إدارة المستشفى عن ( بكرة أبيها)، حتى ساعات فجر الأحد، كانوا بحاج الصافي ..إستقبلوا عربات الإسعاف و رافقوا الجرحى حتى (العنابر).. فالوزراء كادوا أن ينافسوا الكوادر في ( شيل النقالة)..عناية مدهشة لحد إشراف السيد الوزير ( شخصيا)، ورعاية غير متوفرة لمرضى السودان حتى في (المشافي الخاصة).. وما لذ وطاب من (الوجبات الشهية).. بالجناح الخاص، رائع لحد تزويده بالتلفاز و بعض الكماليات .. والثلاجة تضج بالفواكه .. بالهناء و الشفاء ..!!
:: ثم – كبار الحكومة – يضعون الأيدي على جباه الجرحى بين الحين والآخر كنوع من إبداء (الرحمة والإنسانية)، ثم يسألونهم بصوت رخيم : ( نفسك في حاجة؟)، (تأكل حاجة؟)، (نجيب ليك عصير؟)، (تشرب لبن؟).. وهكذا.. مشاهد رحمة وعناية تغري مرضى السودان بالتمني بأن يكونوا ( جرحى اليمن )..وليس في الأمر عجب، إذ هكذا نحن، ودائماً ظلال رحمتنا إنسانيتنا تسع الجميع ما عدا ( نحن )..لقد كٌتب علينا بأن نكون في عالمنا هذا كما ( إبل الرحيل الشايلة السقا وعطشانة)، ليرتوي سيدها و عابر السبيل.. !!
:: لا بأس، شفاهم الله و أعادهم إلى اليمن وهم في تمام العافية، أو أبقاهم في الخرطوم كلاجئين بدرجة مواطن، عفوا بدرجة ( أفضل من المواطن)..وكل هذا لايُنسينا بأن فاتورة الدواء تجاوزت في بلادنا الأربعمائة مليون دولار، وهناك فاتورة القمح والدقيق التي تجاوزت – في العطاء الأخير – ضعف الأسعار العالمية لعجز الدولة عن ( الكاش) .. ولو تعلمنا لغة العصر التي توفر هذه المبالغ لمرضى وأصحاء السودان، ليس هناك ما يمنع توفير كل وسائل العلاج والنقاهة لجرحى اليمن، بما فيها ..( القات )..!!

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *