إيلا وشارع الخرطوم ـ مدني

إيلا وشارع الخرطوم ـ مدني

إن طريق الخرطوم ـ ود مدني من أهم المشاريع التي نفذت في برنامج المعونة الأمريكية. والمعروف ان تلك المعونة عندما عرضت في عام 1958م على الحكومة الائتلافية التي كان يرأسها الأميرلاي عبد الله بك خليل، وجدت تأييداً وقبولاً من حزب الأمة ومعارضة ورفضاً من حزب الشعب الديمقراطي الشريك الثاني في السلطة. وكان يومئذٍ بين مصر الناصرية والحكومة الأمريكية ما صنع الحداد. ووافق الحكم العسكري النوفمبري برئاسة الفريق إبراهيم عبود على المعونة الأمريكية وتم بموجب ذلك إقامة عدد من المشروعات الحيوية منها شارع المعونة المعروف بالخرطوم بحري وطريق الخرطوم ـ مدني. وبعد مضي عشرة أعوام من ذلك الخلاف الذي حدث بين الحزبين المؤتلفين حول المعونة الأمريكية، حدث خلاف آخر في عام 1968م إذ قدمت منحة إبان العهد الحزبي الثاني لإقامة محطة للأقمار الصناعية بأم حراز جنوب الخرطوم وكان مشروعاً حيوياً متقدماً ويعتبر طفرة كبيرة للأمام بمقاييس تلك الأيام، وعندما طرح الموضوع في الجمعية التأسيسية الثانية أيده فريق وعارضه فريق اَخر بشدة بدعوى انه مشروع إمبريالي الغرض منه التجسس وما الى ذلك من أوهام ومن اكثر النواب البرلمانيين الذين دافعوا عن المشروع الحيوي وتحدثوا عن أهميته وفوائده الجمة الشيخ الجليل الورع والمربي الفاضل الأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد أطال الله عمره ومتعه بالصحة وموفور العافية، ولم ينفذ المشروع الذي رفض في ذلك العهد وبعد سبعة أعوام او أكثر قليلاً نفذ المشروع في منتصف سبعينيات القرن الماضي وأقيمت محطة الأقمار الصناعية بأم حراز وكانت تمثل في ذلك الوقت إنجازاً متقدماً وطفرة كبيرة في مجال الاتصالات والبث الفضائي. وقد بدأ العمل في طريق الخرطوم ـ ود مدني في عهد الحكم العسكري النوفمبري ووصل لمدينة ود مدني واكتمل العمل فيه في أواخر ستينيات القرن الماضي واثناء تشييده وبعد تجاوز منتصفه حدث تغيير في مساره ليمر ببعض القرى بسبب الواسطات والضغوط والترضيات. وفي مرحلة التخطيط له قبل تنفيذه قدمت عدة اقتراحات لتحديد مساره ووضع الفنيون والمختصون الخرط، وكان هناك مقترح بأن يخترق الطريق مناطق الإنتاج وسط الجزيرة حتي يصل لود مدني مع اقتراح بأن يتخذ الطريق ذات مسار السكة الحديد بين الخرطوم وود مدني وفي كل الأحوال فإن هذا الطريق يعتبر إنجازاً كبيراً بكل المقاييس ولم يكن يوجد طريق اَخر يماثله في كل ارجاء القطر وقبله كان الوصول من ود مدني للخرطوم فيه مشقة، ويتم ببصات قليلة العدد وبطيئة الحركة وباللواري والقطار. وكان المقتدرون ينتقلون بين المدينتين بالطائرة وكان يوجد مهبط للطائرات بمدينة ود مدني، وكانت الطائرة تروح وتغدو في رحلتين او أكثر في اليوم وقيمة التذكرة أربعة جنيهات او ما يعادل ثلاثة عشر دولاراً وثلث الدولار في ذلك الوقت أي حوالي مائة وعشرين جنيهاً حاليا بسعر الدولار في السوق الموازي. ولو اقيم الآن مطار او مهبط للطائرت ستكون التجربة ناجحة تجارياً ومربحة بالنسبة لأي شركة طيران خاصة او عامة . وفي مرحلة تالية مُد طريق من ود مدني لبورتسودان وهو المعروف بطريق الخرطوم ـ بورتسودان الذي يمر بمدن كبيرة وعواصم ولايات مثل القضارف وكسلا. ومُد طريق اَخر من ود مدني اتجه جنوباً حتى سنار وسنجة وابو حجار وود النيّل وغيرها من المدن حتى بلغ الدمازين وأضحى الضغط شديداً على شارع الخرطوم مدني الذي تمر به وسائل مواصلات ونقل كثيرة وشاحنات وعربات كبيرة وصغيرة وشهد هذا الطريق حوادث حركة لا تحصى ولا تعد فقدت جراها أرواح كثيرة عزيزة وحالات إعاقة عديدة وهذا قدر مقدور وقضاء مسطور. وإن موت الفجاءة وقعه أليم على النفس الإنسانية خاصة اذا حدث بسبب الإهمال والاستهتار في طريقِ مزدحم لا يحتمل الغفلة واللا مبالاة ويصبح الموت هنا سنبلة كما وصفه الأستاذ صلاح أحمد ابراهيم في قصيدته «عشرون دستة من البشر» التي كتبها عن أحداث عنبر جودة. وقبل اكثر من عشرين عاماً تحدث الراحل المقيم الأستاذ عثمان عبد القادر عبد اللطيف وزير الأشغال والطرق وقتئذٍ عن ضرورة إقامة خط جديد لتوسيع طريق الخرطوم مدني وشرع في الاتصال بالجهات المعنية للبدء في التنفيذ ولكن بعد إعفائه من موقعه التنفيذي وإحالته لموقع اَخر اسدل ستار كثيف على هذا المشروع، ولم يعد يسمع به احد الى ان أعلن دكتور محمد طاهر إيلا والي الجزيرة بانه سيشرع في توسيع وإقامة خط ثانٍ لشارع الخرطوم مدني قبل نهاية هذا العام. والمؤكد انه سيكون على صلة وثيقة وتنسيق تام مع رئاسة الجمهورية ومؤسسات الدولة وأجهزتها ووزاراتها الاتحادية المختصة واذا تحقق هذا العمل فإنه يعتبر إنجازاً تاريخياً ضخمًا بكل المقاييس. وقبل سنوات أقيم طريق بالشرق يربط بين العاصمة ومدينة ودمدني وعلي اهمية هذا الطريق إلا انه لم يحدث تخفيفاً يذكر علي شارع الخرطوم مدني الذي ما زال يعج بوسائل النقل والمواصلات وكبيرها وصغيرها وقبل سنوات بُدئ العمل في طريق الشيخ الطيب ود السائح الذي يخترق مناطق الإنتاج بوسط الجزيرة وخطط لأن يمتد من الجديد حتي ابو شنيب ولكن المؤسف أنه بلغ قهوة الخشب التي لا تبعد كثيراً عن الجديد ثم توقف لسنوات عديدة لأسباب مجهولة تثير الحيرة، ولو أن هذا الطريق بلغ ابو شنيب ومد منها بعد ذلك ثمانية كيلو مترات ليتصل بطريق الزلط الواصل بين المحيريبا وقنب الواقعة على بعد عدة كيلو مترات شمال الحصاحيصا فإنه يخفف الضغط على شارع الخرطوم مدني ليصل الكثيرون عبر شارع الشيخ الطيب حتى يبلغوا الحصاحيصا. وإذا مُد هذا الطريق من ابو شبيب لطابت فإنه يخفف الضغط ويسهل المواصلات والنقل لمناطق كثيرة بغرب الجزيرة، وينسحب ما ذكرته على طرق أخرى مهمة لم يكتمل العمل فيها مثل طريق السريحة ـ المعيلق ـ ابو عشر أما طريق ابوعشر ـ ابو قوتة فقد كثر الحديث عنه وسمع الناس جعجعة ولم يروا ولو طحيناً قليلاً. وإن الطرق الأخرى المنتظر قيامها او إكمالها في غرب الجزيرة وجنوبها وشرقها فإنها تحتاج لوقفات اخرى. ومن الواضح ان الوالي إيلا جاد في تنفيذ ما بشر به. وإن ملف الطرق والشوارع من الملفات المهمة التي تتكامل مع الملفات الأخرى الإنتاجية والخدمية والتنموية. وظلت ولاية الجزيرة بكل اسف في السنوات الماضية تشهد معارك فوقية بين مراكز القوى والضغط والشلليات داخل الحزب الحاكم والصراع كله بين هذه الشريحة يدور حول الجاه والمواقع. مع ظهور تنظيمات عديدة بمسميات مختلفة بأجندة متقاطعة والضرورة تقتضي ان ينصرف الجميع لأداء أعمالهم ومهنهم الأساسية مع ممارسة مثل هذه المناشط في فضول أوقاتهم. وقد شبع الشعب السوداني من الكلام الكثير والتنظير الفطير حتى اصيب بالتخمة وآن أوان الإنصراف للعمل والإنتاج «ودرهم من الإنجاز خير من قنطار من التنظير الأجوف».

الانتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *