عثمان ميرغني : حديث المدينة

عقيد في الجيش الأمريكي.. يعمل في وزارة الدفاع الأمريكية.. أرسل إليه وزير الدفاع يطلب منه اطلاعه على ملف يختص بعملية عسكرية محددة.. العقيد رد على طلب وزير الدفاع بمنتهى الجرأة (هذا الملف لا يجوز لغير العسكريين الاطلاع عليه) ورفض تمرير الملف لوزير الدفاع الذي لا يحظى برتبة عسكرية في الجيش.
تصرف هذا العقيد لا يرفع حاجب الدهشة هناك.. فعندما يكون (القانون هو السيد) بدلاً من (السيد هو القانون) فإن الموظف العام لا يخشى على نفسه من النقل إلى (الطينة أو القلابات أو محمد قول)..
واحد من أهم برامج الحزب الجديد.. (تحرير الخدمة المدنية).. هذه الماكينة الضخمة التي تدير البلاد تخضع الآن لأسوأ استعباد.. الذي بيده القلم قادر على خرق القانون واللوائح دون أن يطرف له جفن.. والموظف النزيه المستقيم الذي يطيع القانون يتعرض للظلم المرير ويخضع لأقصى الإذلال.. فيصبح الموظف العام بين نارين.. نار مخالفة الضمير وبيع الذمة المهنية من أجل البقاء والسلامة.. أو نار الظلم الحراق الذي يطاله لو حاول – مجرد محاولة- الالتزام بالقانون.. والضمير.
مئات الآلاف من السودانيين يعملون في دولاب الخدمة المدنية.. يقبضون الفتات الذي لا يكاد يفي بأقل متطلبات الحياة الكريمة.. ويتحكم فيهم قلة من الرؤساء الذين –إلا من رحم ربي- يخدمون مصالحهم الخاصة من عمق ودهاليز الدولة.. يديرون آلة الخدمة المدنية بأقصى ما تشتهي نزوات التسلط واستغلال النفوذ وهم آمنون لا تطالهم محاسبة أو حتى مجرد زجر.. فالجهاز البيروقراطي يدار بشلليات تحمي ظهر بعضها..
حسب دراسة أن 10% فقط في سنام الخدمة المدنية ينالون 90% من امتيازاتها. بينما 90% من العاملين في الخدمة المدنية بالكاد يلتقطون الـ 10% الباقية..
إذا انصلح حال الخدمة المدنية، ينصلح حال الدولة كلها.. لكن لا سبيل لإصلاح الخدمة المدنية إلا إذا خضعت لحكم القانون.. (دولة القانون) الذي لا يسمح للحصانات ما ظهر منها وما بطن أن تحمي مخالفاً للقانون مهما علا قدره واستطالت أنيابه.
لا أحد ينكر استشراء الرشوة الظاهرة والباطنة في دهاليز الخدمة المدنية.. وفي بعض الوحدات الحكومية تكاد تصل مرحلة (عادي جداً) وبغيرها لا تتحرك المعاملات.. ومع ذلك لا يتحرك ساكن القانون.. بل على النقيض يتعرض من يبدي مجرد الاستياء (البارد) إلى التنكيل الوظيفي الذي قد يودي بالموظف العام إلى الشارع فيفقد وظيفته لأنه حاول التصدي لمخالفات تجري أمام عينيه.. للدرجة أن من يتحسس ضميره كمن يتحسس رقبته قبل أن تطير بقرار صارم يطيح به من موقعه..
واحد من أهم بنود الإصلاح التي يرعاها الحزب الجديد.. (تحرير)!! الخدمة المدنية من نظام (الرق الوظيفي)!!

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *