جعفر عباس : نربي العيال وهم يربوننا (2)

جعفر عباس  : نربي العيال وهم يربوننا (2)

المسألة التي تشغل كل والدة ووالد هي: هل أنشأنا عيالنا تنشئة صحيحة؟ وتكون الإجابة في معظم الأحوال بـ «نعم»، وفي هذه الإجابة ضرب من الوهم، فليس معيار التنشئة الصحيحة فقط أن العيال ناجحون في الدراسة والعمل ومهذبون، بل المعيار الأهم هو «هل هم متوازنون نفسيا واجتماعيا»؟ فإذا كانت الإجابة على هذا السؤال بـ«نعم» يصبح النجاح الاكاديمي والمهني وكمال الأخلاق قيمة حقيقية وليس نتاج ضغوط وترويع.
وعلى المستوى الشخصي ولأن الرجل دائماً على «حق»، فإنني عادة احمل زوجتي مسؤولية أي خطأ سلوكي يقترفه عيالي فتقول تعقيبا على ذلك: من شابه أباه.. ومع هذا فإنني ما زلت مصراً على أن زوجتي لا تقدم لعيالنا سوى الدلع: ما لك يا حبيبي.. لقد أرهقت نفسك بالمذاكرة كثيراً فلماذا لا ترتاح قليلاً.. نفسك تأكل ماذا؟ بيرغر أم بيتزا؟ وددت لو أقول لها أن رغبتك في التهرب من المطبخ هي التي تحدوك إلى الاستجابة إلى ما يطلبه المستمعون، ومع هذا فإنني أقر بحق زوجتي في تدليع عيالها كما تشاء ولكنني لا أقر بحق أي شخص غيرها في الإفتاء في أمر تربية عيالنا، فهناك جنس من البشر لا يكفون عن حشر أنوفهم القميئة في كل شيء ويحلو لهم النطق بالحكمة من دون أن يطلب أحد منهم ذلك: المفروض عندما يفعل الطفل كذا أن تقوم أنت بكذا، وانت ما لك يا سخيف؟ أحياناً تأتيك «الحكمة» من شخص غير متزوج يعظك في شؤون التربية لأنه قرأ مقالاً أو اثنين حول الموضوع.
وهناك ما يجعلني أعتقد أن أسلوبي في التربية يقوم على اللا أسلوب، يعني لا أمارس التربية في ضوء أو على هدي معايير معينة باستثناء الضوابط الدينية والاجتماعية المتعارف عليها، فلم يحدث قط مثلاً أن جعلت أحد أطفالي ينام في غرفة منفصلة إلى أن يدخل عامه الثاني.. يعني ينام بالقرب مني أنا وأمه كي نستجيب لأي حركة كده ولا كده من جانبه، ولا أميل إلى حرمان أطفالي من حرية «التعبير» بخنقهم بالحفاظات أو البامبرز على مدار الساعة، بل واتبع تقليداً يعتبره الكثيرون غير تربوي باننا حتى كبروا و«تمردوا» كنا ننام جميعاً في غرفة واحدة في عطلة نهاية الأسبوع مرة في الشهر، فتجد المراتب والحشيات مبعثرة هنا وهناك، وتشتعل المشاجرات عندما يتنافس العيال على مواقع معينة وخاصة تلك التي تتلقى تياراً مباشراً من المكيف، ويتطلب هذا الترتيب فرض حظر التجوال بعد إطفاء الأنوار تفادياً لقيام أحدهم بدهس الآخرين في الظلام.
وأحس بسعادة شديدة عندما يصر أحدهم على النوم قريباً مني، ويهاجر بي الخيال إلى السودان حيث ينام جميع أفراد الأسرة في الحوش الذي هو فناء الدار، ترفع رأسك عندما تأتيك صحوة مفاجئة فترى جميع من تحبهم حولك فتدخل الطمأنينة إلى قلبك، وتعرف أن الفجر قد أتى عندما تقوم الجدة أو الأم بالضوء محدثة جلبة عالية لإيقاظ الآخرين «بغير عمد»، وتبدأ عنزة الجيران في الثغاء لإسهال أصابها بعد أن أكلت خبزاً ذا صلاحية منتهية، أو لأن صاحبتها ما زالت تعصر ضرعها على أمل الحصول على قطرات إضافية من الحليب.. تنتعش روحي بكل ذلك وأتذكر العنزة التي كانت تتولى إرضاعي في طفولتي وأتذكر أن لي عنزات أخوات لي في الرضاع فتنزل على خدي دمعتان وأحتضن أصغر بنتيَّ «مروة» بقوة، لأنها تبدي رأيها في كل شيء بشجاعة، حامداً الله الذي لم يجعلها بهيمة!.
[email protected]

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *