هل تعمدت الحكومة رفع الدعم عن القمح قبيل عطلة العيد لتحاشي حركة شعبوية؟

الحكومات لا تدار بالتنجيم وطلاسمه ولا تعتقد في الأبراج الفلكية لذا لم تأبه الحكومة لشيء وهي تعلن رفع دعمها كليا عن القمح في شهرها هذا والمكنى بـ”سبتمبر” رغم كونه تحول إلى مصطلح ثوري في المخيلة الشعبية أكثر من كونه شهرا من الشهور الاثني عشرة عندما رفعت الحكومة في نسخة 2013 الدعم عن الوقود فألبت عليها الشارع كما لم تؤلبه منذ أن آلت إليها مقاليد البلاد.
منذ فقدان ثلاثة أرباع حقول النفط التي تقهقرت جنوبا في 2011 والحكومة تتحدث عن خفض الإنفاق الحكومي لكن يديها لم تمتدا لشيء مما تنفقه بقدرما امتدتا إلى ما تقول إنه دعم على سلع استراتيجية.
في البدء رفعت الحكومة الدعم عن الوقود جزئيا في العام 2012 فواجهت حركة شعبوية – لكنها جزئية أيضا – على مدار شهري يونيو ويوليو من عامها ذاك. ثم عادت الكرة في العام الذي يليه فأعاد الشارع كرته بما هو أقسى لدرجة غضت الحكومة معها الطرف عما كانت تردده أنها لا تزال تدعم المحروقات وأنها تعتزم رفع ما تبقى من دعم.
ورغم أن خطط التقشف الحكومية الممرحلة والتي جاءت في صياغ خطة إنقاذ ثلاثية تحولت بغتة إلى خماسية فاقمت الوضع المعيشي خصوصا أنها كانت مصحوبة بزيادة الضرائب وتعويم العملة الوطنية إلا أن الحكومة استعاضت عن الحديث برفع ما تبقى من دعم للوقود إلى رفع الدعم عن القمح.
وبدأت الحكومة قراراتها الخاصة برفع الدعم في يوليو الماضي بتحريك سعر الصرف الذي كانت تخصصه لواردات القمح من 2.9 إلى 4 جنيهات مقابل الدولار بالتزامن مع قرارها فك احتكار استيراد القمح الذي كانت تتمتع به ثلاث شركات فقط.
وقبل أن يستقر السوق على السعر الجديد أعلنت الحكومة أمس الأول تحريك سعر الصرف الخاص بواردات القمح من 4 إلى 6 جنيهات للدولار الواحد أي بالتساوي مع السعر الرسمي للعملة الأمريكية ما يعني أنها رفعت الدعم كليا.
وفي وقت تتصاعد فيه الأزمة المعيشية باعتراف القادة الحكوميين يجادل وزير المالية بدر الدين محمود بأن القرار “إيجابي للخروج من الدعم بصورة كلية دون الضغط على المواطن للاستفادة من انخفاض أسعار القمح عالميا”.
وقريبا من هذه الرؤية يقول المحلل الاقتصادي محمد الناير إن انخفاض السعر العالمي للقمح أحد عاملين وراء قرار الحكومة ثانيهما هو قراراها فك احتكار السلعة ما وفر لها عروضا أفضل. وبينما تعاني الحكومة عجزا معلنا في الموازنة العامة بنحو مليار دولار يقول الناير إن أثر رفع الدعم عن القمح لن يكون كبيرا في ميزان المدفوعات الخارجية ورجح أن تنخفض المدفوعات الخاصة بتوريد القمح “من مليار دولار إلى حدود 900 إلى 950 مليون دولار”.
وبالمقابل يشير محدثنا إلى أن الأثر الكبير سيكون في الميزان الداخلي من جراء الفارق الذي صنعه تحريك سعر الصرف الخاص بواردات القمح.. لكن المحلل السياسي حاج حمد محمد خير يقول إن الحديث عن عدم تأثير القرار على المواطنين “ليس علميا طالما هناك فجوة كبيرة في العملة الصعبة”.
ومن بين الأسباب التي يحددها حمد لقرار الحكومة هو “اكتشافها أن الشركات التي كانت تحتكر استيراد القمح تجني أرباحا طائلة بالاستفادة من فرق سعر الصرف المخصص لها”. وبشأن التأثيرات السياسية للقرار يرجح الرجل أن يؤدي إلى احتجاجات شعبية مماثلة لتلك التي اندلعت عندما رفعت الحكومة الدعم عن الوقود لكنه رهن نجاحها بمدى قدرة أحزاب المعارضة على تجاوز أخطائها التي صاحبت الاحتجاجات السابقة.
فبالنسبة لحمد خيار الانتفاضة بات قريبا من واقع تردي الوضع المعيشي لكنه يعيد طرح السؤال القديم المتجدد: “هل المعارضة جاهزة لتنظيمها؟”. وبغض النظر عن طبيعة الإجابة يبدو أن الحكومة تحسبت لها وهي تعلن قرارها قبيل عطلة العيد حتى ولو تزامن ذلك مع نسخة أخرى من سبتمبر الذي تعافه ذاكرتها السياسية.

اليوم التالي

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *