قصة صدمة المخابرات الأمريكية في شخصية جمال عبدالناصر: أطحنا بالملك لنجلب المتاعب لأنفسنا

قصة صدمة المخابرات الأمريكية في شخصية جمال عبدالناصر: أطحنا بالملك لنجلب المتاعب لأنفسنا

في غرفة اجتماعات مغلقة بمقر المخابرات الأمريكية، سي أي إيه، في لانجلي بولاية فيرجينيا، جلس كبار رجال الجهاز يطالعون تلك الأوراق أمامهم ورأسهم لا تتوقف عن التفكير، ماذا فعلنا بأنفسنا؟ كيف أوقعنا نفسنا في هذا المأزق؟ كيف غابت عنا هذه المعطيات ونحن نضع خططتنا؟ ضرب رئيس السي أي إيه، ألين داليس، على رأسه صائحًا في كل المحيطين: «تبًا لغبائنا جميعًا»، كانت لحظة أدرك فيها أن السحر انقلب على الساحر والورطة التي وضعوا أنفسهم فيها لا حل لها، كان عليهم أن يواجهوا الحقيقة، أطحنا بالملك فاروق وجمال عبدالناصر يحكم مصر الآن وهو ليس رجلنا وأبدًا لن يكون.

الخمسينات من القرن العشرين، مصر تشهد تغيرات جذرية، الملك فاروق يغادر البلاد بعد ثورة يقودها الجيش ممثلًا في ضباطه الأحرار، لكن المخابرات الأمريكية تنسب لنفسها جانب من الفضل في إنهاء حكم أسرة محمد على على مصر، كما يكشف الصحفي الأمريكي الشهير ومراسل الحرب أندرو تلي في كتابه CIA: The Inside Story.

«ساعد جهاز سي أي إيه على الإطاحة بالملك فاروق، لكنه وجد نفسه مضطرا للتعامل مع حاكم مغرور محب للسلطة ولا يمكن توقع تحركاته وقراراته يدعى عبدالناصر»، يقول «تلي» في كتابه، متابعًا وصفه لـ«عبدالناصر» الذي لا يخلو من شعور الخيبة الأمريكية: «معظم الخبراء الدوليين كانوا مترددين في الحكم على عبدالناصر، رئيس الجمهورية العربية، والذي ساعدته المخابرات الأمريكية على الجلوس خلف عجلة قيادة الوطن العربي».

لكن التردد في الحكم على «عبدالناصر» كان دائمًا يتوقف حين يتعلق بالحكم على توجهاته الرئيسية، فكل المتشككين في حقيقته لم يكن ينتابهم الشك للحظة، حسب كلام «تلي»، في أن الرئيس المصري معاديًا للغرب، وأنه عارض بشكل عنيف القوتين الاستعماريتين اللتان حكما العالم يومًا، بريطانيا وفرنسا.

«على مدار السنوات كان عبدالناصر يصعب السيطرة عليه حتى من موسكو، لقد قبل مساعدة الكريملن كبديل، وفعّل الحزب الاشتراكي تحت يديه، لكن من الآمن أن يصنف عبدالناصر كرجل قومي ناصري، سيعقد اتفاقات مع أي شخص يمكن أن يساعد في زيادة قوة مصر وعبدالناصر»، يكمل «تلي» في كتابه الذي كان الأكثر مبيعًا لصحيفة النيويورك تايمز حين نشر عام 1962.

«بينما ساعدت جهود السي أي إيه في صعود عبدالناصر إلى سدة الحكم، هل كان جهاز المخابرات الأشهر يعلم أنه يجلب المتاعب لنفسه؟»، سؤال طرحه الصحفي الأمريكي، رد هو عليه سريعًا معتمدًا على مصادر مطلعة على طبيعة الأمور: «بينما كان السي أي إيه مدرك بتحركات عبدالناصر وراء الكواليس، كان الجهاز يعتقد بشكل راسخ في وقت ما أن اللواء محمد نجيب كان هو مساهمة السي أي إيه لمصر ورجلها المقدر».

أصبح وجود «عبدالناصر» أمرًا واقعًا على إدارة السي أي إيه التعامل معه، وقد أبقت أعينها مفتوحة طوال سنوات حكمه على نظامه، «رغم أنها لم تستطع أن تتوقع حب ناصر الشديد للسد العالي الذي تكلف 1.3 مليار، والذي دفعه لتأميم قناة السويس، لكنها استطاعت أن تتوقع النتائج المترتبة على قراره، الغزو البريطاني-الفرنسي».

خيبة أمل كبيرة لاقاها الغرب في وجود عبدالناصر، خيبة أمل لم تكن متوقعة أبدًا، كان هدف الغرب الإطاحة بفاروق وساروا خلفه دون بصيرة، «كان معظم العالم في البداية يشعر بالامتنان للسي أي إيه للإطاحة بالملك السمين فاروق»، إحساس لم يدم كثيرًا، لم يكن «عبدالناصر» رجلهم.. أبدًا.

المصري اليوم

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *