الطيب مصطفى : ديل أهلي (1) و (2)

الطيب مصطفى : ديل أهلي (1) و (2)

ديل أهلي، البقيف في الدارة وسط الدارة، واتنبّر وأقول للدنيا ديل أهلي، عرب ممزوجة بي دم الزنوج الحار.
عندما سطّر شاعرنا الفذ إسماعيل حسن هذه الكلمات الرائعات قبل نحو 50 عاماً من الزمان لم يكن قد دار بخلده أو تخيل أننا سنتخذها، مع أشعار أخرى تمجد إنسان السودان، شعارًا نتغنى به وندندن مرددين ترانيم (نتنبر) بها كلما برز من سلوك أبناء السودان أفرادًا وجماعات ما يعبر عن تميز الشخصية السودانية وتفردها بين العالمين.
أقول هذا بين يدي الحادث المأساوي الذي تسبب في استشهاد ما يقرب من (800) حاج في ساحة رمي الجمرات والذي أبرز تميز الشخصية السودانية، حيث أضاف ذلك الحادث إلى ما صار معلومًا من كثرة التواتر عن استحقاق الإنسان السوداني لأن ينصب ويتوج بطلاً على بقية بني الإنسان في أرجاء الدنيا في ميادين القيم والتميز الإنساني.
جاءت الأنباء تترى من بين ثنايا الحادث الأليم حيث تكدست جثث ضيوف الرحمن بالمئات (كأكوام الشوالات) على حد وصف الطبيب السوداني أحمد محمد نور ووقع الحادث في شارع الجوهرة الذي يمر بمخيمات السودانيين والمصريين والأفارقة، وجاءت لحظة امتحان الأخلاق والتميز في عالم القيم الذي يكشف معادن الرجال حين استنفرت السلطات الصحية كل المخيمات المجاورة فرفضوا إدخال المصابين لإسعافهم بعد أن نفدت سيارات الإسعاف، وفي تلك اللحظة التاريخية اشرأب أهل السودان بأعناقهم نحو المجد الذي إليه على الدوام يتوقون، ونحو قيم التضحية التي يجيدون، وتقدم ناس(عوج الدرب) من أبناء السودان الذين لم يترددوا في إخلاء ثماني خيام من مخيمهم المكوّن من تسع ليبقوا على خيمة واحدة فقط، كدسوا فيها كل أغراضهم مُخلين بقية الخيام لإيواء المصابين والجرحى ليتحول المخيم السوداني إلى مستشفى ميداني.. مشهد وثّقه د. أحمد محمد نور الذي شارك في إسعاف المصابين ليقول إنه: (منظر تدمع له العيون وتقشعر له الأبدان)، وليتساءل وحق له أن يتساءل: (من أنت أيها السوداني ومن أين أتيت؟ يا سبحان الله.. لماذا رفضت بقية الأجناس القيام بهذا العمل الإنساني.. لك الله ابن بلدي، ولك الله وطني العزيز الذي طال جرحه).
لا غرو أن تشيد وزارة الداخلية السعودية ووزارة الصحة بذلك الموقف وأن تنهمر مقالات وتغريدات الإطراء من الشعب السعودي، فها هو نائب وزير الصحة السعودي يقول: (حجاج السودان أخلوا مخيماتهم أثناء تدافع مشعر منى لعلاج جميع المصابين.. إنه موقف تاريخي).
لست أدري أي تغريدات أخرى أنتقي لأسطِّرها هنا كأمثلة على انبهار السعوديين بما فعل السودانيون عندما نكص الآخرون على أعقابهم.. دعوني أورد شهادة خالد الصويغ، فقد قال: (أنا موجود بالموقع ومشارك الحجاج.. السودانيون أهل فزعة.. شاركوا مع رجال الأمن في إنقاذ ونقل المصابين)، وقالت مها عبد اللطيف القديح في تغريدتها: (السودانيون بعد حادث تدافع مشعر منى قاموا بعمل إنساني عظيم، حيث قاموا بتفريغ مخيماتهم لإسعاف المصابين).
لم أدهش للتغطية التي قامت بها قناة العربية الفضائية (السعودية) التي وثقت المناسبة من داخل المخيم السوداني الذي تحول إلى مستشفى ميداني وأجرت حوارًا مع بعض السودانيين الذين شاركوا في نفير إنقاذ الجرحى والمصابين.
هذا غيض من فيض تلهج به ألسنة السعوديين من خلال الصحف والتغريدات والقنوات الفضائية تقديراً وعرفاناً للشهامة السودانية التي لا تُجارى.
نعم.. قد تجد شخصاً أو شخصين من أية جنسية أخرى يستجيبون بصورة فردية لمثل هذه المواقف لكن أن يجمع كل أفراد المخيم على ذلك الفعل فهو ما لا يمكن أن يأتيه إلا السودانيون.
أن تجمع (بضم التاء) جماعة كبيرة من الناس تقيم في خيام مختلفة ولا يوجد رابط سابق من علاقة دم أو صداقة غير أنهم سودانيون جمعتهم أقدار الله في ذلك المكان.. أن تجمع على ذلك الموقف النبيل الذي رفضه الآخرون في المخيمات المجاورة جميعها لا يمكن تفسيره إلا بأنها خصائص مشتركة تتوافر في كل من أفراد تلك المجموعة.
دعونا نستشهد ببعض نماذج السلوك الجماعي في المجتمع السوداني لربط أحداث مشعر منى بقيم مركوزة من قديم الزمان في الشخصية السودانية ويحضرني في هذا المقام ظاهرة (عوج الدرب) التي تتمدد في مناطق مختلفة من السودان ولعل اسم (عوج الدرب)، يشير إلى تلك الخاصية لدرجة أن يسمى بها أو يلقب بعض الأفراد كناية عن الكرم الذي يجعلهم يقطعون الطريق حتى يجبروا عابري السبيل على النزول عندهم لإكرامهم في سلوك لا يأتيه إلا حاتم الطائي إذ يقول :
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا وما لي شيمة غيرها تشبه العبدا
أقول إن ظاهرة قطع الطريق التي يُكنى عنها باسم (عوج الدرب) في شهر رمضان للمسافرين تمتد على مستوى نهر النيل في شمال السودان ثم جنوب الخرطوم وقد لفتت الظاهرة قناة الجزيرة الفضائية التي وثقتها لتنقلها إلى العالم باعتبارها شيئاً غريباً ومثيراً لا يحدث إلا في السودان ويستحق أن يوثق ليحكى للعالم أجمع.

ديل أهلي (2)
إذا كنت قد ختمت مقالي بالأمس بربط صنيع السودانيين التلقائي، وهم يخلون خيامهم ويحيلون مخيمهم إلى مستشفى ميداني لإيواء وعلاج المصابين في حادث رمي الجمرات في منى بظاهرة عوج الدرب المركوزة في الشخصية السودانية والتي نجد مثالاً حياً لها حتى الآن في قطع الطرق العابرة بين الولايات خلال شهر رمضان، مما وثقته قناة الجزيرة الفضائية باعتباره أمراً غريباً يستحق أن يوثق ليُحكى لشعوب العالم التي ستجد في المادة المعروضة ما يدعوها إلى أن تفغر أفواهها في اندهاش فإنني سأواصل في هذا المقال سابراً أغوار ذلك السلوك السوداني الفريد، وإثبات أن تلك خصائص يتميز بها الشعب السوداني دون شعوب العالم ولأصل إلى الخلاصات والعبر .
أذكر أن بصاً أقلنا في صباح جمعة من قرية (حجر الطير) بريفي المتمة التي ذهبت إليها للعزاء في وفاة خالتي في العام 1991 وعندما وصلنا بالقرب من قرية تسمى (البير) غرب أم درمان، ونحن في طريقنا إلى الخرطوم انكسر عمود النص وتعطل البص فما كان من أهل القرية إلا أن جاءوا إلينا وبالحرامات والطلاقات المغلظة، ادخلوا كل ركاب البص الممتلئ داخله وأعلاه بالنساء والرجال والأطفال إلى القرية، حيث أفطر الجميع بمشاركة كل بيوت القرية والأعجب أن أحدهم فك عمود النص من اللوري المملوك له لكي يركب في البص وغادرنا القرية بعد أن أكرمنا بما لا يمكن ان يحدث في أي مكان في العالم، وحفرت تلك الواقعة في نفسي كمثال ناصع على سلوك لا يحدث إلا في السودان، سيما وقد عدت وقتها للتو من اغتراب طويل خارج السودان ودهشت للمفارقة بين سلوك أهل السودان ممثلاً في أبناء تلك القرية الفقيرة وبين ما كنت أشاهده وأعايشه في سني اغترابي بين ظهراني شعوب أخرى رغم ثرائها الواسع لا تشبه شعب السودان.
هذه النماذج الجماعية التي أشرت إليها بما في ذلك حادث المشاعر المقدسة الذي بدأت به هذا المقال، تؤكد على قيم جماعية تنبعث من قناعات وقيم مركوزة في جبلة الإنسان السوداني ولا يختلف اثنان أو ينتطح عنزان في الاتفاق على توصيفها بالكرم غير العادي والشهامة والنخوة والإيثار، وهي قيم طمرت أو كادت في كل المجتمعات الإنسانية تقريباً بما يجعلها غريبة وعجيبة.
إذا كنت قد ضربت أمثلة حية على تميز إنسان السودان دون غيره ببعض القيم المغروسة فيه، فإن ذلك التميز معلوم لدى كثير من الشعوب التي ظلت تجهر بالقول، وأحياناً تكتبه وأخرى تجسده في التعامل مع السودانيين واختيارهم وتعيينهم دون شعوب الأرض في بعض المهن التي لا يؤتمن عليها غيرهم..
رغم ذلك فإنه منذ أن وثق بعضُ الشباب السعودي قصة راعي الضان السوداني الطيب يوسف الزين الذي أدهشهم بسلوكه حين رفض بيعهم شاةً أؤتمن عليها من كفيله مهما غالوا في الثمن، تواترت قصص تميز الشخصية السودانية وبرز ذلك في أشعار ومقالات كان آخرها تلك القصيدة التي نظمها شاعر سعودي عن ذلك الشاب السوداني الذي رد في أدب عطية العاهل السعودي الملك سلمان بعد حادث الرافعة التي قتلت وأصابت عدداً كبيراً من الحجيج، ولكن هل حقاً كان الناس يجهلون ما يتفرد به السوداني من صفات لا يماثله فيها الآخرون؟.
أقول لا، فقد كنا نحن المغتربين في دول الخليج نعلم المكانة التي نحتلها في نفوس مواطني تلك الدول التي تعرضت لهجرات كثيفة خلال فترة الطفرة البترولية التي أعقبت حرب أكتوبر 1973، والتي ارتفعت فيها أسعار البترول بشكل كبير زاد من ثرائها ووتيرة التنمية فيها، مما اضطرها إلى استجلاب أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية وجعل مسؤولي ومواطني تلك الدول يعقدون المقارنة بين المهاجرين إليهم من كل الجنسيات.
كان السودانيون في دولة الإمارات العربية المتحدة مثلاً يحتلون أرفع المناصب، فقد كان مديرو البلديات في الأمارات الثلاث الكبرى أبوظبي ودبي والشارقة سودانيين. ففي دبي احتل الإداري المتميز كمال حمزة الحسن إدارة إمارة دبي بينما تولى أحمد عوض الكريم إدارة بلدية إمارة أبوظبي، وكانت البلدية هي الحكومة وفضلاً عن ذلك احتل السودانيون المناصب العليا وأنشأوا الخدمة المدنية والدولة تقريباً.. القضاء (صالح فرح عبد الرحمن).. الإدارة والتنظيم (إبراهيم عبد الله).. القوات المسلحة (العميد حسن عثمان).. الإعلام (بروف علي شمو).. الطب والتعليم الترجمة والصحافة الخ الخ.
ورغم حساسية المجتمع السعودي المحافظ تجاه التعامل مع المرأة، ائتمن البلاط السعودي السودانيين وأدخلهم قصوره في مهن حساسة مثل طباخي العائلات المالكة ثقة في السوداني الذي ترسخ لديهم أنه لا يغدر ولا يخون ويحافظ على الأسرار ويتمتع بقيمة الوفاء لمخدمه، وكان السوداني يمنح الأولوية إذا تساوى في الكفاءة مع الجنسيات الأخرى، نظراً لما يتمتع به من كريم الخصال.. وما حدث في الإمارات تكرر في بعض دول الخليج الأخرى بدرجات متفاوتة.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *