عثمان ميرغني : مرة أخرى (جهاز المغتربين)

قبل نحو أسبوع كتبت- هنا- عن جهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج.. المشهور شعبياً بـ (جهاز المغتربين).. وطالبت بتصفيته حتى ترتاح الحكومة ويرتاح المغتربون.. على مبدأ المثل الشعبي المصري (شيل دا عن دا.. يرتاح دا من دا).
وفي الحال وصلتني من السيد حاج ماجد سوار الأمين العام للجهاز دعوة لزيارة الجهاز والاطّلاع على وجهة نظرهم.. وذهبت- فعلاً- وأمضيت بضع ساعات للاستماع إلى شرح السيد الأمين العام.. ثم زيارة سريعة إلى بعض المرافق والصالات داخل مجمع المغتربين الشهير في حي الامتداد.
وبكل صراحة.. ربما الانطباع الحسن الذي خرجت به هو عن شخصية الأمين العام.. وليس الجهاز.. فخلال مرافعة حاج ماجد سوار عن الجهاز لم ألمس إصراراً منه على دحض ما هو ضد الجهاز بقدر تقديم حيثيات بصورة موضوعية كما يراها عن مهام الجهاز ونفعه.
مثل هذا السلوك مطلوب لأن النقيض له هو تماهي المؤسسات الحكومية في أشخاص من يديرونها.. فكل كلمة نقد هي (شتم) للمسؤول عنها.. ويختلط عام المصلحة بخاص الشخصنة..
ولأنني كنت مغترباً لمدة تزيد قليلاً عن عشر سنوات من 1984 حتى 1996 فقد كنت أحد زبائن هذا الجهاز كثيراً.. ودخلت نفس هذه الصالات في التسعينيات.
الفرق ليس كبيراً.. صحيح هناك كراسي أفضل ومنافذ خدمات أكثر وأجهزة تكييف أنعم وكمبيوترات أكثر.. لكن المشكلة ليست هنا.
لا تزال المشكلة الحقيقية هي في إرغام المغترب على المرور عبر هذه الإجراءات وفي هذا المكان بالتحديد.. لماذا يجبر المغترب على تأشيرة خروج من جهاز المغتربين.. ودفع رسوم وضرائب في مقر الجهاز.. وسلسلة أخرى من الإجراءات كلّها في هذا المكان.. لماذا؟.
هنا مربط الفرس.. كتبت وقلت إن إجراءات الجهاز تضرب إحساس المغترب بأنه مواطن سوداني مثل أي مواطن آخر.. وتنمي في دواخله أحاسيس أنه مجرد فريسة سهلة لصياد قاهر.. يحدق في جيبه لا أقل ولا أكثر.
ويعضد من حجتي نظرة إلى أوضاع المغتربين في دول أخرى.. مثلاً مصر.. التي ربما يقترب عدد مغتربيها من عدد سكان السودان.. ولبنان التي لها أكثر من (14) مليون مغترب.. والمغرب وغيرها.. كلها ليس لها (أجهزة مغتربين) تجبر المغتربين على العبور بأسوارها قبل السفر.
حاج ماجد قال لي: إنه في موسم عودة المغتربين في المملكة المغربية يخرج الملك نفسه لاستقبال أول فوج عائد.. محاولة لضخ الروح الوطنية في نفوس المغتربين، وإشعارهم بأهميتهم الوطنية.. ولا تأخذ الدولة منهم قرشاً واحداً.
مع شكري الجزيل للسفير حاج ماجد سوار على أريحيته في التحاور عن دور (جهاز المغتربين) إلا أنني ازددت اقتناعاً بأنه حان الوقت وبأعجل ما تيسر لتصفية هذا الجهاز وإطلاق سراح ضمير المغترب السوداني الذي لا تزال تكبله أغلال الإحساس المقيت بأن وطنه لا يكترث سوى بجيبه.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *