الطيب مصطفى : ديل أهلي (3) و (4)

الطيب مصطفى : ديل أهلي (3) و (4)

كنا في مقال الأمس قد واصلنا الحديث عن تفرد الإنسان السوداني بخصائص يتميز بها دون العالمين على خلفية ما قام به السودانيون حين أخلوا خيامهم للمصابين في حادث الجمرات بمشعر منى مما نال استحسان المسؤولين والشعب السعودي، وضربنا أمثلة ببعض ما تعتبره الشعوب الأخرى غريباً مثل قطع الطريق ليس (للهمبتة) والنهب وإنما لإكرام عابري السبيل وإطعامهم، وإذا كانت الشعوب الأخرى تعترف للسودانيين بالخلق الرفيع وبقيم الشهامة والكرم فإن ذلك شأن قديم.
فقد كتب الإعلامي السعودي الكبير منصور الخضيري أنه تأكد بعد استقصاء أن (أبيار علي) في المدينة المنورة ليست للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، إنما للسلطان السوداني علي دينار، وتساءل الرجل مستغرباً: (لماذا تسكتون على هذا التاريخ)؟!
بل إن بروف عبد الله علي إبراهيم أورد ما وثقه الأستاذ بابكر بدري في كتابه (تاريخ حياتي) عن مكانة السودانيين قديماً لدى أهل الحجاز موضحاً أن عرب الحجاز كانوا يتكففون السودانيين ويسمونهم بأبناء العباس، وكانوا يتفانون في خدمتهم، وكان أهل المدينة يستقبلون السودانيين بالأهازيج والرجاءات (يا أبناء العباس اعطوا الناس) وكان السودانيون يغدقون العطايا على أهل المدينة!
رغم كل هذه الأمجاد قديماً وحديثاً والتي تحدث عن نفسها فإني أقول إنني لم اقصد باستشهاداتي هذه أن (نقدس) الشخصية السودانية ونعتبرها مثالاً للإنسان الكامل.. حاشا وكلا.. إنما قصدت أن نرسخ لدى الإنسان السوداني الثقة والاعتزاز بالنفس والقناعة بأنه جدير بالاحترام وأنه يتميز على غيره من الشعوب في كل أو معظم القيم العليا التي حض عليها ديننا الكريم وكل الأعراف الفاضلة منذ قديم الزمان في كل الشعوب والحضارات، فعندما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم على زوجه خديجة بنت خويلد فزعاً مرعوباً بعد أن أتاه جبريل في غار حراء حاملاً البلاغ بتكليفه بحمل الرسالة قالت له.. (كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر).
هذه هي مكارم الأخلاق التي لا جدال حولها ولا خلاف في جميع الأعراف والشرائع .. بالله عليكم أي هذه القيم لا تتوافر في الشخصية السودانية التي أبرزنا مواصفاتها من خلال الأمثلة الحية التي استشهدنا بها للسلوك الجماعي والفردي للسودانيين في مناسبات مختلفة، والتي تثبت رسوخ تلك القيم وثباتها في إنسان السودان؟!
مما دعاني للاستفاضة في الحديث عن تميز الإنسان السوداني بصفات وقيم عليا لا يجارى فيها أن بعض المنهزمين المنكسرين نفسياً ما انفكوا يسيئون إلى سودانيتهم وإلى بلادهم واصفينها بأقذع الصفات متناسين أنهم بذلك يسيئون إلى أنفسهم ولو نظروا حولهم لرأوا كيف لا يرضى المصري كلمة مهما صغرت تسيء إلى بلاده التي يجمع أبناء مصر على حبها معتبرينها أم الدنيا.. قبل أشهر قليلة قرع رويبضة من أبناء السودان في عدد كبير من مواقع التواصل الاجتماعي بني شعبه متهماً إياهم بأنهم يحتفون بأي كلمة تقال في حقهم بل إنهم يتكلفون سلوكاً (تمثيلياً) يستدرون به عطف الآخرين جراء عقدة ترسخت لديهم .. تقريع وجلد للذات يثير الغثيان من إنسان مريض ومليء بالعقد النفسية التي يحاول أن يسقطها على الشعب السوداني، ولو نظر بعين الرضا متأملاً في سلوك أبناء السودان في الداخل ممن يقطعون الطريق لإطعام ابن السبيل لأدرك أنه ينطوي على هزيمة وعقدة نفسية تؤرق مضجعه وتجعله يهرف بما لا يعرف ويهذي كالذي يتخبطه الشيطان من المس.
أرجو ألا أنسى وأنا أتأمل في تفرد أبناء السودان بقيم لا تشاركهم فيها أو تشبههم شعوب الدنيا أن أفرد شيئاً مما يتحلى به السودانيون في دول الاغتراب من صفات هي جزء من القيم التي ظللنا ندندن حولها ونتغزل لأتحدث عن متانة العلاقات الاجتماعية بين السودانيين.
كان قدوم الطائرة السودانية أيام اغترابنا (يوم عذاب وتعب) لموظفي الاستعلامات في مطار أبوظبي وكل مطارات الإمارات مثل مطار دبي لكثرة الاتصالات من أفراد الجالية عن موعد وصول وإقلاع الطائرات القادمة من والمغادرة إلى السودان، وكان المطار يكتظ بالمستقبلين والمودعين والطائرات تئن بالوزن الزائد فتضطر لأن تحيل بعض العفش الزائد (للكارقو) ذلك أن السوداني لم يكن يكسي ويحسن إلى أسرته الصغيرة إنما يشمل عطاؤه الأهل والجيران وربما الحلة كلها أو بعضها.
لقد حمل المغتربون ولا يزالون عبء السودان وشعبه في سنوات الضيق والمسغبة وأسهموا بنصيب الأسد في سد (فرقة) تراجع الاقتصاد السوداني منذ سبعينات القرن الماضي بما لم يفعله شعب آخر، وكان ينبغي للحكومات المتعاقبة أن تقابل ذلك الإحسان الذي تحمله المغتربون لنجدة وإغاثة أهليهم في الداخل بتعامل يكافئ ذلك العطاء الثر خاصة من خلال إيلاء تعليم أبناء المغتربين اهتماماً أكبر حتى يتلقوا الجرعة المطلوبة من تلك القيم التي لا يمكن التشبع بها إلا من داخل الحاضنة الوطنية والشعبية التي أنشأت تلك الشخصية السودانية المتفردة وزرعت فيها تلك الخصائص النادرة، والحديث يطول في هذا الجانب.

ديل أهلي (4)
بينما نحن نتغزل (ونعرض) و(نتنبر ) احتفاء بتميز الشخصية السودانية المتميزة بين الأنام والتي لفتت الأنظار واستدعت ثناء كثيراً ما انفك ينهمر من ألسنة الشعب السعودي المنبهر بذلك التميز، تأتينا عبارات تثلج الصدر من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز تشيد بما فعله أبناء السودان في لحظة تدافع الحجيج بمشعر منى.
أعد بأن أورد في زفرات السبت إن شاء الله نماذج مما كتب السعوديون في حق أبناء السودان وأواصل الحديث الآن عن التميز السوداني.
هذا التميز والتفرد في الشخصية السودانية بين فئات المغتربين من الدول الأخرى اتخذ أشكالاً كثيرة لا تعد ولا تحصى فعلاقات السودانيين الاجتماعية التي كانت حديث المجتمع الإماراتي وبالقطع الخليجي والسعودي وتناصرهم وتآزرهم في الأفراح والأتراح كان ولا يزال أمرًا يتداوله كل الناس بمختلف جنسياتهم.
أذكر أني اصطحبت السفير يومها الفاتح عروة قبل نحو 13 عاماً لمناسبة في مدينة نيويورك بأمريكا رأيت فيها الجلاليب و(التيبان) من خلال الأسر التي تجمعت في مناسبة لأحد السودانيين!
ذلك كان شأن الإنسان السوداني والمجموعات السودانية بعلاقاتها الحميمة في أي مكان في العالم والتي لا يماثلها فيها أي من الشعوب وذلك ما كان له الأثر الأكبر في استمساك السودانيين بتلك القيم التي يتواصون عليها ويحرصون بل ويحرسونها بكوابح الردع الاجتماعي الذي يُمارس على من يخرج عليها.. قيم تجعل اعتمار العمامة كافياً لتوقف سيارات السودانيين لنجدة مرتديها المتوقف في الطريق لعطب أصاب سيارته.
دعونا نقر أن السوداني ليس ملاكاً ولا خلاف أن هناك بعض الصفات التي نحتاج إلى أن نعدلها في سلوكنا مما أراه في نفسي والآخرين ومما تم التداول حوله كثيرًا في الإعلام والمنتديات، فقيم العمل وأخلاقياته مثلاً عجزنا تماماً حتى الآن عن إحداث التغيير المطلوب فيها بالرغم من أنها من لوازم وشروط ومطلوبات النهضة وإعمار الوطن وأهم تلك القيم احترام الوقت والتقيد بالمواعيد، وقد رأيت وعايشت شعوباً كثيرة خارج السودان ولم أجد شعباً لا يكترث للزمن مثل الشعب السوداني بالرغم من أن الوقت هو الحياة وبالرغم من أن الوقت ماعون العمل.
ربما كان سبب تخلفنا في احترام قيم وأخلاقيات العمل ناشئاً عن المناخ الاجتماعي السائد وغير المواتي وكذلك ربما لا يسري قولي هذا على السوداني الذي يعيش خارج حدود الوطن والذي ينضبط بضوابط إدارية وقيم أخرى تضطره إلى تعديل سلوكه غير السوي فيما يتعلق باحترام الزمن، ولكن يبقى ذلك من أكبر التحديات التي تحتاج إلى ثورة اجتماعية وإدارية ولا أزيد في هذه العجالة.
لا أريد أن أسترسل فأتطرق للسياسة ومنحنياتها ومنعرجاتها وتأثيراتها وتداعيات الأوضاع الاقتصادية على سلوك بعض أفراد المجتمع السوداني، لكن الأخطر من تلك النقائص السلوكية يتمثل في بعض أوجه القصور الأخرى المتمثلة في مظاهر البداوة لدى بعض مكونات المجتمع السوداني وليس كل أفراده والتي تستسهل القتل والثأر وإراقة الدماء بالرغم من أن القتل من أكبر الكبائر التي تورد الهلاك في الدنيا والآخرة وبالرغم من أن (المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حراماً) وبالرغم من النكير القرآني والوعيد الرباني: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).
ما أردت الكتابة عما هو متداول داخل وخارج السودان عن الشخصية السودانية إلا للحض على إخضاع هذا الأمر للدراسة المتعمقة بغية الاستعانة بها في وضع مناهج التربية الوطنية فما يصلح لمعالجة بعض العادات السيئة والمعتقدات الخاطئة والسلوك المعوج في بعض المجتعات ربما لا يصلح لأخرى كما أن الخطاب المسجدي يحتاج إلى أن يوجه لمعالجة بعض السلوكيات المتعارضة مع الإسلام كما أن الآداب والفنون والثقافة والأشعار .. كل ذلك مما يعالج ويصحح العيوب والسيئ من العادات والسلوكيات ويحافظ على القيم النبيلة التي يتحلى بها شعبنا الفريد، فقد رأيت تأثير الأغاني والأناشيد الحماسية التي يتغنى بها الفنانون في إذكاء الحماسة وإلهاب المشاعر للحض على الاستمساك بقيم الشجاعة والكرم والشهامة والنخوة التي يتميز بها السودانيون عن بقية خلق الله بل رأيت بعض تلك الأشعار والأناشيد والأغاني الحماسية متداولاً في نغمات الهاتف السيار.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *