القيادي الجنوبي البارز بيتر أدوك :”الوحدة ” بين الشمال والجنوب جائزة والأمر يظل متعلقاً بالأسباب التي جعلت من ” الانفصال” جائزًا

القيادي الجنوبي البارز بيتر أدوك :”الوحدة ” بين الشمال والجنوب جائزة والأمر يظل متعلقاً بالأسباب التي جعلت من ” الانفصال” جائزًا

حمّل بيتر أدوك وزير التعليم العالي السابق بدولة الجنوب كلاً من سلفاكير ومشار المسؤولية الكاملة عن ما يحدث من موت ودمار في الجنوب، وأكد أن الحرب نتيجة طبيعية للانفصال، وقطع بأن الذين فقدوا حياتهم في الحرب أكثر بكثير من ما حدث أيام حرب الحركة الشعبية على الحكومة السودانية.
ودعا بيتر جميع الأطراف بالجنوب إلى وقف الحرب فوراً وترسيخ مفهوم الديمقراطية وأن تستوعب مفهوم السلام والتعايش. واعترف بيتر أدوك بفشل نظام الرئيس سلفاكير في الجنوب، وقال إنه أثبت فشله عندما جمع حوله مجموعة من القيادات الجنوبية “الفاسدة”.
هذا الحوار مع بيتر أدوك يكشف الكثير المثير، فإلى مضابط الحوار.
ـ بدءاً كيف تقرأ واقع الحياة الآن في دولة جنوب السودان؟
حقيقة أن الهندسة التي حدثت في الفترة الانتقالية، جعلت الجنوبيين يصوتون ” للانفصال” نتيجة للفترة التي حدثت ما بين العام 2005- 2011، وما ترتب عليها من قيام للانتخابات والخلافات التي نشبت وقتها أدت الى نتيجة ” الانفصال” كما ذكرت، أما عن واقع حياة دولة الجنوب الأن فللأسف فهو يعيش حرباً طاحنة تتحمل فيها المسؤولية كل الأطراف المتنازعة سواء الحكومة برئاسة “سلفاكير” أو المعارضة بقيادة د. رياك مشار.
ــ ماذا عن ” الحرب” الدائرة في جنوب السودان؟
” الحرب” نتيجة طبيعية للانفصال، وهو ما يؤكد أنه قرار لم يكن موفقاً كحل للأزمة الجنوبية التي ظهرت منذ سنوات، الشيء الذي أفرز مجموعة من الأمراض والمشاكل التي لم تشخص بشكل سليم، “فالطبيب” إذا لم يشخص الحالة المرضية بالشكل السليم فإنه لن يستطيع أن يصف العلاج الجيد، وهو ما حدث بجنوب السودان تماماً، ووقتها كان التشخيص خطأ للأزمة، لذلك كانت النتيجة خاطئة، فالقضية تظل مرتبطة بتراكمات سابقة بعدم التوازن في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ــ ما صحة أن ما يحدث بالجنوب صراع على “السلطة”؟
هذا الأمر يكاد يكون جانبياً مقارنة مع مناقشة جذور المشكلة الحقيقية، فالأمر الأساسي يظل مرتبطاً بالخلافات السياسية في إدارة الدولة الجنوبية في حد ذاتها.
ــ بروف “أدوك”، ما هو الحل من وجهة نظرك للأزمة الجنوبية؟
الحل يبدأ أولاً بتشخيص الحالة وفي حال عدم “التشخيص” الجيد فلن نستطيع توفير الحل للأزمة، فالأمر ينطبق على كل من “السودان – جنوب السودان” من ازدياد قضايا التخلف الاجتماعي والاقتصادي، فنحن نعتقد بأن”السودان” ما زال واحداً رغم “الانفصال” الذي طال الجنوب خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فالتاريخ يقول إن مايربط بين” الشمال والجنوب” أكثر من 400 عام، إذ ليس من السهل بمكان قطع هذة الصلة، فالقضية نجدها صاحبتها تراكمات سابقة منذ أن استخدم “الإنجليز” سياسة فرق تسد، ومن بعدها استُخدمت من قبل الحكومات الوطنية السودانية، فوجهة نظري في مثل قضية جنوب السودان تظل ” صغيرة” جدًا، إذ نحن في حاجة الى النظر للأزمة بصورة مكبرة والبحث عن حل لها، حيث إن هناك عوامل مشتركة في القضية من “السياسية والاجتماعية والاقتصادية”.
ــ كيف يمكن حدوث توافق سياسي “بالجنوب”؟
لابد من وقف الحرب وترسيخ مفهوم الديمقراطية والقابلية من جميع الأطراف لتثبت أنها قادرة على استيعاب مفهوم السلام والتعايش تحت سماء دولة واحدة من دون أي خلاف “سياسي، إثني، جهوي”، على مستوى القبائل والذهاب بالحرب بعيداً، بإفساح الفرصة للتداول السلمي للسلطة بين المكونات الجنوبية كافة بغرض توفير الأمن بالجنوب، وذات الأمر يكاد ينطبق على السودان، فهو الآخر يعيش حرباً في كل من “دارفور- جنوب كردفان – النيل الأزرق”، فإن لم تجد حلولاً سياسية وحاسمة تبدأ بجلوس كل الأطراف فيما بينها، فمن الصعب حل الأزمة “فالحرب” لن تفضي من المؤكد إلى حل.
ــ ماذا عن “الاقتصاد” بجنوب السودان؟
كان في السابق يعتمد كل من “السودان – جنوب السودان” على مورد الزراعة، وعقب اكتشاف النفط وتحويل المورد الاقتصاد خسر السودان كثيراً حتى “النفط” نجد أن عائداته ذهبت الى جيوب البعض، وتأثير ذلك على الوضع الاجتماعي “صفر”، فالسودان كان غنياً بمجموعة من المحاصيل الزراعية من “القطن- القمح- السمسم”، وقفت نتيجة لسياسات المستفيدين من أموال “النفط” وجعل المواطن “تعبان”، وجاءت الهجرة للمدينة وفقدنا من ثم عائدات الإنتاج الزراعي والحيواني.
ــ “الحرب” بالجنوب خلفت أوضاعاً إنسانية “متردية” كيف تنظر إليها؟
الأوضاع الإنسانية نتيجة طبيعية “للحرب” فمن قبل كانت هناك حروب داخلية دائرة بالجنوب، ولكن صحيح أنها لم تخلف من ورائها ذات النتائج “الإنسانية” التي أوجدتها الحرب الأخيرة بالنزوح واللجوء إلى بلدان الجوار الإفريقي من “السودان – يوغندا – كينيا” وغيرها من الدول الأفريقية، فالقرار الأممي الذي صدر من قبل مجلس الأمن الدولي في الثامن من يوليو للعام 2011 بالرقم 1966 يؤكد أن دولة جنوب السودان قائمة على سياسات “فاشلة”.
ــ ماذا عن “التدخلات” الأجنبية بالجنوب؟
نعم.. هناك تدخلات عدة بدولة جنوب السودان خاصة من بعض بلدان دول الجوار الإفريقي منها” يوغندا” حيث يأتي التدخل اليوغندي في شؤون الجنوب بغرض إرسال رسالة لحكومة السودان التي كانت في وقت سابق لديها علاقة مع “متمردي” يوغندا وعقب انفصال الجنوب أرادت يوغندا أن تتعامل بذات الطريقة والسعي الى السيطرة على جنوب السودان، فيوغندا ليس لديها أي حق بالتدخل بالجنوب بأي حال من الأحوال فقط جاءت لمساعدة “سلفاكير”.
ــ ما حقيقة أن”الحرب” في دولة جنوب السودان قبلية؟
من قال هذا الحديث أستطيع أن أقول له إنك مخطئ في التقدير والتحليل لما يحدث بجنوب السودان، الحرب في الجنوب لا تقوم على أساس قبلي، والسبب الرئيسي لحرب الجنوب هو فشل سياسات الدولة، هذه الحرب التي أنتجت الخراب والدمار الموجود الآن بالجنوب.
ــ ماذا لو وُضِع الجنوب تحت البند الرابع والوصاية”الدولية؟
القوات الأممية الآن “موجودة” بالجنوب كما وُجدت في السابق بدارفور، الأمم المتحدة تتدخل من أجل فض النزاعات بين الأطراف “المتحاربة”، الوجود الآجنبي بالجنوب كان بموجب القرار 1966 لمجلس الأمن حيث جاءت قوات “يونميس” للمساعدة في تنمية مؤسسات دولة الجنوب التي لم تكن في الأصل موجودة كمؤسسات، والسبب أن جنوب السودان كان جزءاً من السودان منذ العام 1899، وهذه قضايا مركبة جميعها مع بعضها البعض.
ــ هل تعتقد أن ” اتفاقية” الإيقاد الأخيرة وفرت الحل للأزمة؟
للأسف لم تفعل.. اتفاقية الإيقاد لم توفر حلاً للأزمة الجنوبية نسبة لأن أي اتفاقية لا تعمل على تغيير حقيقي للنظام فإن من المتوقع أن ينجم عنه نزاع في” المستقبل” والعودة إلى ذات المربع الأول، وستظل القضية في ذات المكان بدليل أن اتفاقية أديس أبابا من قبل فشلت في الحل.
ــ في ديسمبر القادم ستكون هناك حكومة”انتقالية” مشتركة بين سلفا- مشار فما مستقبل الدولة؟
“صحيح”، ووقتها ستكون الحكومة والمعارضة في مكان واحد مع احتفاظ كل طرف بقواته الخاصة، خلافاً للاتفاقيات السابقة التي شهدها السودان منذ عهد الرئيس “نميري” بالتوقيع على اتفاقية أديس أبابا والتي عملت على دمج القوات الجنوبية بالشمالية.
ــ أين ” تقيم” الآن بروفيسر بيتر أدوك؟
“أقيم” في العاصمة الكينية نيروبي – فقد رتبت أوضاعي في السابق على الاستقرار بها منذ ما يزيد عن العام.
ــ لماذا أنت “بنيروبي”؟
أنا كنت مطلوباً من قبل الأجهزة الأمنية لحكومة الرئيس سلفاكير منذ أن اندلعت الثورة في العام 2013.
ــ إذن أنت “مطارد” من قبل حكومة الرئيس سلفاكير؟
“كنت” قيد الإقامة ” الجبرية” بمنزلي بالعاصمة جنوب السودان السودان منذ التاسع والعشرين من العام 2014، ووقتها حاولت التواصل مع من هم بالخارج باستخدام وسائل شتى من مواقع التواصل الاجتماعي “الفيس بوك- الواتساب”، بالإضافة إلى الإيميل، وحينها قمت بإصدار مجموعة من البيانات تتصل بالحرب وضرورة التوصل إلى توافق ينهي مستقبلاً “قاتماً” بالجنوب تتحمل فيه كل الأطراف الجنوبية من الحكومة والمعارضة فيه المسؤولية.
ــ في “تصريح” سابق وصفت “الانفصال” بالخطأ وجاء قدرًا؟
“نعم”، ذكرت ذلك، وقلت وقتها من خلال مداخلة قدمتها في هذه الورشة التي نحن بصددها بدعوة من جامعة “بحري” ــ جوبا سابقاً ــ بأن الانفصال كان خطأ، نسبة لعدم التخطيط السليم والمدروس على مستوى من “هندسوا” اتفاقية السلام التي جمعت الأطراف السودانية، فكما أشرت في حديثي السابق إلى أن “الموتمر الوطني- الحركة الشعبية” لم يقرآ الواقع الصحيح والسليم للمجتمع السوداني بما فيه “الجنوبيون”، لهذا لعبت الأقدار دوراً في انفصال الجنوب وهو ما رغبت التأكيد عليه وتوضيحه.
ـ حال “تشكيل” الحكومة القادمة بالجنوب هل ستعود مجددًا إلى مقعد الوزارة؟
“لا” لن أعود مجددًا إلى تقلد أي منصب وزاري ودستوري في المستقبل بالحكومة، فقد “كبر” العمر كما ترى وأرغب أن أتفرغ إلى بعض الأعمال الخاصة والدراسات الأكاديمية.
ــ ماذا عن ” مستقبل” الدولة الوليدة؟
” المستقبل” بالجنوب سيكون جيداً وعلى ما يرام متى ما توفرت الإرادة السياسية، حينها سيتبدل الواقع إلى أمر آخر في كل شؤون الحياة الجنوبية سواء كانت السياسية – الاقتصادية – الاجتماعية، وغيرها من القضايا التي ستجعل من الدولة الوليدة قادرة على الإنتاج نسبى لما تملك من قدرات وإمكانيات، وفي ذلك تجدني ” متفائلاً” الآن بما يحدث وما سيحدث بالجنوب من أمر سيكون خيراً لن يكون مقتصراً فقط على المواطن الجنوبي إنما سيمتد إلى السودانيين أنفسهم من حيث التوافق والالتفاف حول مبدأ موحد يقوم على تبادل المصالح المشتركة.
ــ هل من “المتوقع” أن تعود الدولتان مجدداً إلى مربع الوحدة؟
التوقعات تظل واردة، “فالوحدة ” بين الشمال والجنوب جائزة من جديد والأمر يظل متعلقاً بالأسباب التي جعلت من ” الانفصال” جائزًا، فمتى ما انتفت هذه الأسباب وزالت سيكون أمر “الوحدة” مطروحاً وبقوة من جيل يقرأ التاريخ جيدًا وعرف معنى العلاقة الأزلية بين أهل” الشمال والجنوب ” على حد سواء.
ــ رسالة ” أخيرة” لأبناء الشعب الجنوبي؟
“رسالتي” الأخيرة لأبناء جلدتي وعشيرتي ومواطني دولة جنوب السودان وأخص السياسيين منهم أقول: علينا الجلوس سوياً ونبذ ” الحرب” والنظر إلى مستقبل الدولة ومؤسساتها بعيدًا عن المهددات القبلية والاقتصادية واستخدام سياسات “الإقصاء” من كل طرف وتحمل المسؤولية بكل أمانة طالما كان الخيار تكوين دولة، بدءاً من المحاسبة ووضع سياسات واضحة المعالم للدولة، مؤسسات الإدارة “الاجتماعية – العسكرية – العلاقات الخارجية” لجلب الأمن والاستقرار بالجنوب، خاصة وأن الحرب قد خلفت من ورائها حالة من التردي الاجتماعي والتخلف والتدهور الاقتصادي، فانتشر “الفقر- المرض- ” في أوساط المجتمع الجنوبي.

الصيحة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *