منى عبد الفتاح : في انتهازية اللجوء السوري

أنجيلا ميركل مستشارة ألمانيا، وأقوى امرأة في العالم لعام 2011م حسب فوربس، وللأعوام التالية خاصة العام الحالي 2015م حسب تقديرات العرب الذين وصفوها بأرجل من رجال أوروبا، بعد أن فتحت قلبها وبلادها، وتحدت أوروبا كلها من أجل احتواء اللاجئين السوريين.
يبدو أنّ هناك من أغرتهم هذه الحفاوة وراحوا يجربون حجم الترحاب الذي اعتبره العالم غريبا ومُريبا.
فغير المنكوبين الناجين من جحيم الأسد، هناك المتسللون من الجنسيات الأخرى التي تقف على حدود الدول طلبا للهجرة إلى عيون الغرب دون أن تدركها، فما كان منهم إلّا اغتنام هذه الفرصة الذهبية.
وقد رصدت كاميرات التلفزة صفوف اللاجئين السوريين ومن بينهم سمرٌ وحمرٌ وصفر.
وليس هؤلاء فحسب وإنّما تمّ رصد أفراد من جيش الأسد ومن القاعدة وداعش نفذوا إلى قلب جموع اللاجئين، ومنهم من تم القبض عليه ومنهم من ينتظر التمرّغ في نعيم ألمانيا ومنحتها.
أشدّ ما أثار فضولي الصحفي، في التنقيب عن ظاهرة انتهازية اللجوء، هو من السوريين المهاجرين أصلا في دول الخليج، ومنهم أجيال لم تر سوريا أبدا، وُلدت وتزوجت وأنجبت في الخليج.
ومن هؤلاء قابلني في يوم واحد من أيام عيد الأضحى الماضي عشرات الأسر السورية في مطار الشارقة الدولي.
كل هذه الأسر التقت وهي عابرة من مقرّ إقامتها في الإمارات وسلطنة عمان وبقية دول الخليج الأخرى، في انتظار عدة رحلات إلى تركيا ومنها إلى اليونان ثم ألمانيا بالتحديد.
سألت إحدى السيدات عما الذي يجبرهم كأسر مستقرة وتقيم بشكل نظامي، تعمل وتدرّس أطفالها إلى المخاطرة بحياتهم في عرض البحر وأمواجه المتلاطمة، ثم تضييع عام دراسي كامل على هؤلاء الأطفال، قبل أن يستقروا هناك ويلتحقوا بمدارس؟ وأنا أسأل، جالت بخاطري صورة القوارب المطاطية تحرّكها عواصف البحر وحادثة الطفل إيلان وغيره من ضحايا اللجوء.
وقبل أن تكتمل هذه الخاطرة أجابتني بأنّ رحلتهم إلى تركيا هي باسم السياحة، وأنّهم أنهوا تعاقدهم وإقاماتهم وباعوا ممتلكاتهم وحملوا ما وفروه من أموال ليبدؤوا حياة جديدة، لن تكون فيها أدنى مخاطرة لأنّ هناك رحلات عبر بواخر مجهزة بأفضل وسائل الراحة، وقالت لي بالحرف الواحد «تكونين كأنك في بيتك».
إجابة أدارت رأسي تقريبا، وكنت قبل هذا الشرح السياحي الفخم، قد أوشكت أن أقع في حرج بالغ، فقد هممت بإخراج ما تجود به ظروف السفر لأساعد ولو الأطفال الصغار، ولكن ما منعني شيئان.
الأول: سيماهم التي في وجوههم، وقد لاحظت من الوهلة الأولى أنّ هؤلاء يختلفون تماما عمن نراهم في شاشات التلفزيون، في كل شيء: المظهر، وحتى الإحساس بما يحيق بوطنٍ مكلوم.
الشيء الثاني: أنّ الأطفال الذين وددت مساعدتهم لم يلبثوا إلّا قليلا وبدؤوا يلهون بالنقود من العملة المحلية، هذا غير رزم الدولارات التي كانوا يخرجونها من حقائب أمهاتهم، قبل انتزاعها منهم وإرجاعها إلى مكمنها.
هذه المشاهد أشعلت الفضول الإنساني أيضا لدي لمعرفة ما يقاسيه المعنيون الحقيقيون بمنحة ميركل من السوريين الذين يعانون القصف والقتل، ويناضلون ويُشرّدون من حارة إلى أخرى.
أولئك لم يتمكنوا من النجاة ناهيك عن الوصول إلى أيٍّ من المنافذ والمطارات.
أولئك قد لا يجدون ما ييّسر لهم سبيل الهروب، وهم الأحقّ بتعويضهم بحياة أخرى بديلة كريمة.
تركتني هذه الأسر بعد أن تنادوا على رحلتهم المتجهة إلى تركيا، أسائل نفسي.
لماذا يضيّق السوريون على بعضهم الفرص في النجاة وفي الحياة، فالمعلوم أنّ منحة ميركل هي وفق حصّة معلومة؟ لماذا تستشري لدينا نحن العرب وفي المحن بالذات، الوصولية والأنانية «أنا ومن بعدي الطوفان»؟ لماذا نصرّ على أن يشاركنا غيرنا العذاب والآلام، ولكن نتسابق للوصول إلى الغنائم لننكفيء بها لأنفسنا؟

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *