خالد حسن كسلا : عدم جواز «التحلّل» بأي منطق شرعي؟

> لعل الدكتور عبدالحي يوسف وهو ينفي وجود أصل للتحلل من المال العام، قد خلط الأوراق في الحالتين.. حالة المباح مع المحرّم.. وحالة الاتهام مع الإدانة..
> ومعلوم أن للسرقة في قانون العقوبات السودانية عقوبتين «سجن» للعادية وفق المادة 174 من القانون الجنائي.. و«قطع اليد» وفق المادة 171 من القانون الجنائي.
> ومعلوم أن إنزال العقوبة تكون بعد المثول أمام قاضي المحكمة الجنائية وتمتع المحكوم بالاستئناف في درجات التقاضي الأخرى الأعلى.
> ومعلوم أن إقامة حد السرقة يكون بعد خلو القضية من أية شبهة تماماً.. وأن الامتلاك الجنائي يكون واضحاً أنه بنية السرقة، وليس في الأمر فكرة تسهيل واستغلال وظيفة لذلك.
> ومعلوم أن برنامج «التحلل» ليس في كل الحالات، فقبل حُكم على سارق بقطع يده ونشرت الحكم بعض الصحف.. ولو أن «التحلل» معمّم لكل جرائم السرقة لوفرت الدولة أعباء المحاكمات على القضاء
> ولوفرت أيضاً تكلفة الطعام والعلاج على إدارة السجون.. فهي ممتلئة باللصوص الذين تعولهم الدولة حتى تنقضي فترة سجنهم.
> والمباح والمحرّم إذا وضعنا في ميزانهما «التحلل» فهو ليس من المحرّمات إذا كان في مرحلة ما قبل المحاكمة وكان بغرض ضمان استر داد الأموال حال كان محتملاً وجود ثغرة تُنجي المتهم بالسرقة من الإدانة واسترداد الأموال.
> فاسترداد الأموال هو الأهم طبعاً بأقصر طريق.. ثم إن موافقة المتهم على التحلل. وفضحه بذلك يكفي عقاباً له.. وموافقته على «التحلل» قبل تقديمه إلى المحكمة يمكن أن تدخل في قوله صلى الله عليه وسلم.. «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب».
> والشفاعة في حد السرقة قبل أن يصل الأمر إلى الإمام أمر جائز أو مندوب إذن.
> ولو وصلت القضية إلى «الإمام» أو «الوالي».. أو في عصرنا هذا إلى قضاة المحاكم الجنائية بمختلف درجات التقاضي «فعفى فلا عفى الله عنه». وما بين القوسين رواه «الحاكم» راوي الأحاديث الشريفة المعروف.
> إذن إذا كانت عقوبة السرقة هي إقامة الحد بقطع يد السارق لكن القضية لم تصل الى القضاء فإن الشفاعة في حد السرقة تجوز قبل أن تصل القضية إلى «السلطة».. وفي عصرنا هذا «السلطة القضائية» طبعاً.
> إذن لا غضاضة في التحلل إذا كان من أجل ضمان استرداد كل المسروق بدلاً من أن يترك السارق ليستفيد من الثغرات القانونية أو يتوفاه الله فيرث عنه أهله المال المسروق لأن التقاضي بكل درجاته تطول فترته.
> والمتهم نفسه قد تُبرئ السلطة القضائية ساحته إذا لم تجد في مواجهته أدلة كافية.. فربما يقول «أهدي إلي» كما قال ابن اللتبية حينما كان مكلّفاً من الرسول صلى الله عليه وسلم بجمع أموال الزكاة.
> وابن اللتبية حلله الرسول صلى الله عليه وسلم من «مال» أخذه أثناء تأدية وظيفة معينة.. وعقوبة أخذه هي أن يأتي يوم القيامة بناقة لها غراء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر.
> إذن الى هنا يمكن ان نقول إن«التحلل» يقع في حكم المباح إذا وجهت به الدولة قبل تقديم المتهم الى المحاكمة من باب الشفاعة في حد السرقة قبل أن يصل الأمر إلى الإمام. أو «السلطة القضائية» في عصرنا هذا.
> إذن الفتوى بعدم جواز التحلل باطلة ما دام ان التحلل يكون قبل المحاكمة وفي مرحلة تقوم فيها فرصة الشفاعة في حد السرقة.
> أما بالنسبة للخلط بين «الاتهام» و«الإدانة» في فتوى الدكتور عبد الحي.. فهو يقول: «إنسان سرق وأكل المال العام وثبتت عليه البينة وأخذ بجرمه كيف نقول له تحلل من هذا المال لا لك ولا عليك» انتهى.
> ودكتور عبدالحي يتحدّث عن «حالة إدانة».. يتحدّث عن شخص قدمته السلطة التنفيذية ممثلة في النيابة والشرطة للسلطة القضائية ممثلة في القضاء الجنائي بكل محاكمه «الموضوع والاستئناف والعليا».
> لكن يكون «التحلل» للمتهم قبل تقديمه للمحاكمة وليس للمدان طبعاً. لأن المدان بالفعل لا يجوز أن يعرض عليه التحلل بعد الإدانة، وطبعاً لا يمكن ذلك بتاتاً لأن الإدانة تعني استرداد الأموال ثم قطع اليد أو أية عقوبة أخرى حسب الظروف.
> و«المدان» يدخل شأنه في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم :«فلو وصلت الوالي فعفى فلا عفى الله عنه».. أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
> و«المتهم» في سرقة مال عام هو مثل الذين تحللوا.. والفرق شاسع بين «الاتهام» وبين «الإدانة» فلماذا تخلطون؟!
> وهل قام شخص «بتحلل» بعد «إدانة» من السلطة القضائية؟ كلا.. التحلل للمتهم وليس للمدان.. التحلل يدخل في فهم تعافي الحدود، التحلل يكون في مرحلة الاتهام أو مرحلة الاعتراف خارج قاعة المحكمة وهنا معناه «الشفاعة في حد السرقة».
«غداً نلتقي بإذن الله»

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *