الطيب مصطفى : إنها مجرد قلة أدب ! (2)

إذا كنتُ قد تعرضتُ في مقال الأمس لما قاله السجاد عن أن الشيخ الترابي هو (نبي زمانه) ثم وصفه له بأنه (شخصية استثنائية لم تتكرر منذ صدر الإسلام الأول)، وأنكرت عليه ذلك القول الذي ينم عن جهل فاضح وعن طائفية مقيتة لم يقل بها ولن يقول أحد من العالمين، فإن ذلك لا ينفي البتة أن الترابي أسهم في إحداث قفزات نوعية معتبرة في مسيرة العمل الإسلامي في السودان منذ منتصف الستينات بالرغم من الواقع البائس الذي يرزح فيه السودان الآن جراء انقلاب الحركة الإسلامية على الديمقراطية وما صاحب ذلك من أخطاء كارثية لا مجال لشرحها الآن، كما لا ينفي عطاء الترابي الفكري خاصة في قضايا التجديد الذي استنبط فيه بعض الاجتهادات والأفكار التي أثارت جدلاً وتفاعلاً بين مختلف التيارات والمدارس الفكرية والدعوية في أنحاء العالم .
إذا كنتُ قد استنكرت أن يسمح الشيخ الترابي لكل من هب ودب بأن يصبح ناطقاً باسمه معبراً عن رؤاه الفقهية خوفاً مما قد يحدثه ذلك من بلبلة وتشويش وتأثير سلبي على الدعوة الإسلامية وعلى تديُّن الناس فإن ما هرف به الناطق الجديد باسم الترابي من تصريحات لتلك الصحيفة أساء التعبير فيها وأظهر تناقضاً وتخليطاً يقف دليلاً على خطورة ترك (الحيران) والمريدين يسيرون بأفكار الترابي بين الناس وسأدلل على ذلك ببعض النماذج.
قال السجاد (أنا أولاً أسقطت لك الأحاديث كلها.. أنا بنسف أي حديث .. كل الأحاديث عندي منسوفة .. أنا عندي القرآن هنا والعقل هنا .. هذان حاجزان وسأضع الحديث بينهما ..إذا استقام سآخذ به وإذا ما استقام سأرده واتجاوزه).
عندما سألته المحررة عن كيفية الصلاة التي لم يبينها القرآن إنما بينتها السنة قال السجاد (الصلاة جاءتنا بالتواتر ..بالأحاديث والسنة المتواترة.. أنتِ تعلمتيها من أبيك ومن عمك ومن جدك وستعلمينها ولدك)، وعندما قالت له (هناك آباء يعبدون القبور ويعتقدون في الدجالين وفي المشعوذين بالرؤية المتواترة عن آبائهم وعن أجدادهم)، قال لها (ديل شواذ والشاذ لا حكم له) ولما قالت له (قد لا يكونون شواذاً ومن الممكن أن يكونوا أغلبية) قال: في هذه الحالة (الحكم بالنوايا..ربنا يحكم بالنوايا)!
بالله عليكم إذا وُجّهت هذه الأسئلة للترابي هل كان سيجيب بالتعابير والمنطق والحجة التي تحدث بها السجاد إم إنه سيفصح بفقه أكثر تماسكاً وبتعابير أكثر دقة؟ عبارات مكررة تتحدث عن(نسف) كل الحديث النبوي بغض النظر عن راويه سواء كان البخاري أو مسلم أو متفقاً عليه.. كل ذلك لا يهم.! ثم بعد (النسف) لا بأس من عرضه على القرآن والعقل لكي (يجاز)!
ثم إن السجاد قال للصحيفة (الرسول منع كتابة الحديث إلى أن مات)..وعندما سألته المحررة ..(من قال ذلك ..من أين جئت بهذا الكلام) ؟! وهي بالطبع تعني أنه يستند في قوله هذا إلى حديث منسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالرغم من أنه (نسف) الأحاديث كلها! هنا قال لها رداً على سؤالها: (هذه معروفة ارجعي للتاريخ)! فعاجلته بتعليق ذكي.. (هذا الكلام انت أخذته من الحديث الذي هدمته.. فكيف تهدم الحديث ثم تحتج به بعدما هدمته)؟!
ثم سألته (الترابي هل يشكك في صحيحي البخاري ومسلم) فأجاب(في كل الأحاديث.. الترابي له رأي في كل الأحاديث)!
بربكم هل يصح لكائن من كان أن يقول مثل هذا الكلام الخطير عن الترابي الموجود والحي حتى اليوم والذي يفترض، إن كان يقول بما نسبه إليه السجاد، أن يقوله بلسانه ويدافع عنه بدلاً من أن يتركه لمتفيقه لا يحسن التعبير عن أمر جلل وخطير يتعلق بالمصدر الثاني للتشريع في حياة المسلمين منذ أن بُعث الرسول الخاتم بالرسالة، وهل خول الترابي هذا (السجاد) لكي ينقل عنه هذا الكلام ويصرح به للصحف؟!
عجيب أن يتجاهل هذا الرجل كل الجهد الذي بذلته الأمة في مختلف عصورها في التحقق من صحة الأحاديث ولا يفرّق بين الإسرائيليات وبين المتفق عليه، فكل ذلك لا قيمة له ويستحق (النسف)، ولذلك يقول بجرأة وتطاول غريب (الحديث ..أي حديث، بغض النظر عن البخاري ومسلم وعن السند والمتن.. – أنا – آتي به وأضعه بين القرآن والعقل فإذا مشى معهما فهو صحيح وإذا ما مشى أكيد هو غير صحيح)!
أواصل غداً بإذن الله ولكني أرجو من ناس الشعبي أن يفتونا هل يصح أن يسمحوا بهذه الفوضى في أمر الدين الذي يزعمون أنهم أعظم دعاته؟.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *