تفاصيل خطة عبدالناصر لهزيمة أمريكا وضرب الاقتصاد العالمي: بدأ في تنفيذها وتوفي قبل إتمامها

هدوء شديد يحيط بمنطقة منشية البكري بمصر الجديدة، لا شيء يبدو غريبًا في المحيط، الحراسة كما هي تجوب تتفقد السور الممتد لمنزل الزعيم، قائد العرب وأيقونة الدولة المصرية جمال عبدالناصر، كان العام 1970، مرت ثلاث سنوات منذ وقعت مصر ضحية نكسة لم يتصور أحد أن حدوثها ممكنًا، كانت مطالب الحرب ترج أجواء الدولة المصرية يوميًا، وكان على القيادة المصرية الاستجابة، كان على مصر أن تحارب إسرائيل يومًا، لكن قبل محاربة إسرائيل كان على الرئيس جمال عبدالناصر أن يؤمن جهة أكثر قوة تدعم الدولة العبرية، الولايات المتحدة، كانت الخطة في رأسه تكتمل ملامحها، خطة ليست لمواجهة إسرائيل، بل لمواجهة الولايات المتحدة، فربما اعتقد الجميع أن العدو كانت الدولة العبرية، لكن الحقيقة التي أدركها هو كانت أن العدو الرئيس يقبع هناك، بعيدًا خلف المحيط الأطلنطي في واشنطن، كان العدو الرئيس يقبع في بلاد العم سام.

«عدونا هو الولايات المتحدة»، كلمات قالها أحد المسؤولين المصريين لضابط المخابرات المركزية الأمريكية، مايلز كوبلاند، حسب رواية الأخير في مقاله الذي كتبه في عدد 9 أكتوبر 1970 من مجلة LIFE. «كان الزعماء العرب كلما التقوا في طرابلس أو الرباط أو القاهرة يتحدثون في الأحاديث المفتوحة عن إسرائيل لكنهم يتحدثون في الأحاديث المغلقة عن الولايات المتحدة، وفي بدايات عام 1970 كانت الخطة بدأت تتشكل في عقل عبدالناصر».

الخطوة الأولى: إنشاء اتحاد اقتصادي بين كل من مصر وليبيا والسودان، على الأقل في الشؤون المتعلقة بالنفط. مصر وليبيا هم الأهم، لأن بمجرد أن تندمج الدولتين ويكونا معًا منطقة جغرافية واحدة كبيرة، مع الوضع في الاعتبار الدمج في القوة البترولية، ستصبح قوتهم على المساومة عظيمة. ورغم إصرار مسؤولي شركات النفط الغربية في ليبيا على أن الليبيون يكرهون ولا يثقون في المصريين بشكل كبير، حتى أنه من المستبعد أن يشتركوا في هذه الخطة، إلا أن مسؤول ليبي رفيع أخبر «كوبلاند»: «هذه المرة خطة المصريون ذكية للغاية، لقد أقنعونا أنهم لا يريدون أي جزء من دخل البترول اللبيبي، ولا يريدون أن يتحكموا فينا، فقط يصرون أن نعمل معًا، تأثيرنا معًا سيكون أكبر بكثير من مجموع تأثير كل منا بمفرده».

وكانت الخطوة الثانية: إقناع العراق والجزائر بإنشاء تحالف للدول المنتجة للنفط، ورغم الشجار الذي نشب بين العراق ومصر عقب قبول عبدالناصر لمبادرة روجرز، إلا أن العراقيين مستمرين في إظهار اهتمام عملي بالانضمام لهذا التحالف، وأجلوا كل القرارات السياسية الكبيرة المتعلقة بالبترول حتى يروا إلى أين ستؤول هذه الخطة. على الجانب الآخر، أتت موافقة الجزائر بطيئة، لكنهم أظهروا اهتمامًا، وقبل وفاة عبدالناصر كان هناك علامات واضحة على استعدادهم للمشاركة في التحالف.

الخطوة الثالثة: التعامل مع السعوديون والكويتيون ومشايخ الخليج الغني بالبترول، والمتوقع اعتراضهم ومقاومتهم لإنشاء هذا التحالف. وتعتبر القيادات المصرية هذه الخطوة سهلة، وقامت الصحف الناصرية في بيروت وأماكن أخرى بتوقع أن «النظام السعودي لن يستمر لما بعد 1970، ومن المتوقع أن يستبدل بأحد الأمراء السعوديين المعارضين، والذين رأوا في الناصرية، حتى بدون عبدالناصر، موجة المستقبل، وستنضم إلى التحالف، وبمجرد أن تتبع السعودية، قائدة شبه الجزيرة العربية، موجة المستقبل سيكون من الصعب على الكويت والمشايخ المقاومة.

الخطوة الرابعة: مواجهة أوروبا بالتحالف الجديد، وبقدراتها في الحرب الاقتصادية والتهديد باستخدامها وإجبار دول أوروبية مختلفة على الضغط على الولايات المتحدة لتكون تحركاتها لصالح مصر. وقد توقع خبراء الاقتصاد البترولي احتمالية أن تنشأ حرب عربية اقتصادية تكون الأصعب منذ أزمة السويس عام 1956، لكنهم قللوا منها قائلين: «العرب مجبرين على بيع بترولهم، لا يمكنهم شرابه»، لكن ما أغفلوه أن المسألة ليست مسألة تجاهل بقدر اعتمادها على عامل المفاجأة في سحب السلعة من الأسواق واللعب في الأسعار، أو مجرد التهديد. كذلك تجاهلوا حقيقة أن أوروبا تعتمد على البترول العربي، بصرف النظر عن محاولة بعض الاقتصاديين إثبات عكس ذلك.

الخطوة الخامسة: إطلاق هجوم مباشر على الشخصيات الأمريكية، والاهتمامات التجارية، والمنشآت الصناعية، المؤسسات الخيرية في العالم العربي، والأماكن خارج العالم العربي التي يستطيع العرب الوصول لها، وليست مصر وحدها، وتخريبها.

كانت خطة «الخمس خطوات» تهدف لإجبار الولايات المتحدة على انتهاج سياسات أقل ودية ناحية إسرائيل وأكثر إفادة لمصر، وأن تستفيد مصر من العِلم الأمريكي، وتحصل على نصيب من المعونة الاقتصادية الأمريكية، بغض النظر عن تقديره للمساعدات السوفيتية، إلا أنه رأى الأمريكان يضعون رجلًا على القمر، ويعيشون بأريحية أكثر، لذا اعتبر روسيا ثاني أفضل مصدر للمساعدة.

وضع عبدالناصر التفاصيل الأخيرة لخطته، وبالخارج بقى الحراس على أهبة الاستعداد كعادتهم، لا شيء يتغير اليوم، الهدوء لا يزال حاضرًا، فقط شيء واحد لم يشعر به الحراس كان ليقلب الأمور رأسًا على عقب ويكتب كلمة النهاية لتلك الخطة الماكرة، كان ملك الموت يحوم حول بيت الزعيم استعدادًا للانقضاض، وكان الموعد قريبًا، 28 سبتمبر 1970، عبدالناصر يرقد في نعشه في طريقه إلى القبر ومعه ستدفن خطته، تلك التي كانت تهدف لقلب الاقتصاد العالمي لم يمهله القدر أن يكملها لتكتب لها النهاية.. إلى الأبد.

المصري اليوم

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *