«لـو أصبحتُ رئيساً للسودان»..

«لـو أصبحتُ رئيساً للسودان»..

ما زلتُ على قناعتي بأننا سوف نضيع وقتاً طويلاً في عملية الحوار الوطني، لكن قد يكون من إيجابيات هذا الحوار أنه يعطي فرصة لعناصر المعارضة لإخراج الهواء الساخن من صدورهم. وكذلك يضخ مناخاً من الحرية تثري عملية المثاقفة السياسية. لكن أخشى أن يدخل الحوار في «سفسطة» وجدل بيزنطي.
أقول هذا لأن مشكلة السودان ليست بكل هذا التعقيد. هي في منتهى البساطة.. إذا كان هنالك تعقيـد هـو نتاج للسلوك السياسي للنخبة الحاكمة. فلقـد صنعنا أزماتنا بأقوالنا وأفعالنا وقصور رؤيتنا، وإلا لماذا أصبحت دولتنا ضمن أفقر خمس دول في العالم بينما هي من أغنى خمس دول في العالم من حيث الموارد. الحـل للأزمـة السـودانية واضح كما الشمس في كبد السماء، ولكن «تعمى القلوب التي في الصدور».!
وإلا فما بال نخبتنا السياسية الحاكمة لا تستفيد من أخطاء وتجارب الماضي في السودان؟ ولا تستفيد من تجارب دول أخرى في التاريخ الحديث؟ ولا تنظر «ولا أقول تقرأ» في نماذج معاصرة تحققت فيها النهضة في فترة وجيزة «ماليزيا» أو سيطرت على تنوع أكبر وأعقد من تنوع السودان وشكلت ديمقراطية مستقرة «الهند ونيجيريا»، أو أنهت أعنف حرب أهلية دموية في العصر الحديث وحسمت الصراع الإثني نهائياً وانطلقت في النهضة بسرعة «مثل رواندا»، أو احتوت العنصرية وعالجت التظلمات وضمدت الجراحات بالعدالة والعفو والتنازلات «جنوب أفريقيا»، أو طبّقت الإسلام المعتدل بهدوء وعقلانية وانطلقت في طريق الدول العظمى «تركيا».
بل أن النخبة الحاكمة في السودان لم تستفد حتى من علمائها وهم الذين بنوا دولاً وساهموا في نهضة شعوب في المنطقة من خلال الإسهام الفاعل في التعليم والهندسة والطب والاقتصاد والإدارة وشتى مجالات «العمران البشري» كما يقول عبد الرحمن بن خلدون..
نحن أمــة لا تقرأ التاريخ، ولا تنظر في التجارب ولا تستفيد من الأخطاء.. لذلك نصنع العقول والكفاءات ثم نسلِّمها للآخرين ليستفيدوا منها! وكأنما التاريخ يعيد نفسه في السودان. فعندما تم اكتشاف أمريكا هرب إليها العلماء من بطش الأباطرة ودكتاتوريات القياصرة والملوك في أوربا، حيث وجدوا في الدنيا الجديدة الحرية والدعم والمناخ المشجع للإبداع فكان النتاج أقوى دولة في العالم!.
منذ الماضي البعيد حسم الفلاسفة مبادئ الحكم الصالح. وتم تلخيصه في: «انبعاث السلطة من الشعب والممارسة القانونية لها، وتبريرها على أسس أخلاقية». وذهب كبار الفلاسفة منذ قبل الميلاد بأن الدولة الصالحة هي التي تقوم على «العدالة والحرية والقانون». وفي عقيدتنا الإسلامية توجد هذه المبادئ. فهل سوف يأتي هذا الحوار بمبادئ للحكم الصالح لم يأتِ بها الإسلام ولم يبتكرها الفكر الوضعي؟! هل يسعى الحوار الوطني لوضع نظريات جديدة لم يأتِ بها الأوائلُ؟
سواء كان من الإسلام أو من الفكر السياسي الغربي تتوافر مبادئ الحكم الرشيد غير أن نخبتنا قد ضربت بها عُرض الحائط. كل شعوب العالم أخذت بتلك المبادئ والتزمت بها لذلك استقرت وانطلقت في رحاب النهضة والتقدم إلا نخبتنا السياسية ما زالت تتخبط في الظلام..
لو أصبحتُ رئيساً للسودان لاستفدتُ من تجارب الآخرين ولالتزمتُ بتلك المبادئ لتأسيس نظام حكم مستقر وبناء دولة متماسكة ولا حاجة لحــوار..
لو كنتُ رئيساً للسودان لأعدمتُ الفاسدين في ميدان عام. ولأعدمت مغتصبي الأطفال أيضاً في ميدان عام.
لو كنتُ رئيساً لاهتممتُ بالمعلم ولأصلحتُ المناهج ولأرجعتُ العام المستلب والسلم التعليمي الثلاثي «وليس الثنائي: «9+3»، ولأرجعتُ نظام المدارس الثانوية الداخلية بصفتها مدارس قومية تساعد في عملية «بوتقة الانصهار» لتساعد في بناء الهوية الوطنية الواحدة، ولأرجعتُ الأصفار الثلاثة للجنيه السوداني لأكون صادقاً مع شعبي ومع العالم ثم التأسيس لاقتصاد يزيل تلك الأصفار تدريجياً واحداً تلو الآخر بالإنتاج الحقيقي والاقتصاد «غير المشوَّه».
ولو أصبحتُ رئيساً للسودان لأعلنتُ تحريم استخدام كلمة قبيلة واستبداله بصفة «سوداني» ولأصدرتُ توجيهاً بسن قانون يُحرِّم التنابذ باسم القبيلة أو الاستخفاف بها أو إثارتها وترسيخها في النكات أو تمييز المواطنين على أساسها في التوظيف والفرص والخدمات..
لو صرتُ رئيساً لألغيتُ عُطلة السبت حتى يرجع الناس لمنازلهم باكراً لتعود «اللمة» حول «صينية» الغداء، وتعود حميمية العلاقات الأسرية ويعود التواصل بين الأبوين وأبنائهم وتعود الأسرة إلى تأثيرها التربوي فتنخفض مظاهر السلوك الانحرافي الذي اجتاح مجتمعنا..
ولو كنتُ رئيسا لأرجعتُ الزمن ساعة «التوقيت القديم في السودان» وفق موقع السودان فلكياً. لا أدري من أين يأتي فلاسفة الإنقاذ بكل هذا التنظير الغريب.! أتمنى من نخبة المؤتمر الوطني «الاندغام» في المجتمع السوداني..
قبل أيام تداول الشباب في الواتساب مقطع فيديو لشاب سوداني هاجر للخارج وسجل هذا المقطع في تعليق على برنامج حسين خوجلي في فضائيته. ملخص المقطع هو أن هذا الشاب يقول لـ حسين خوجلي في ما معناه: إنت ما عارف حاجة ولا عارف الناس عايشة كيف. لأنك مرتاح.. في السودان الناس بتاكل وجبتين: «الأولى فول والتانية ما في والتالتة فول»..
هذا تلخيص لحال السودان على لسان شاب من المحبطين. ولكن هناك تلخيصاً آخر في شكل نكتة والتي يقول مضمونها إن إبليس قـد تبـرَّأ من حال الســودان!!
وأخيراً، لو أصبحتُ رئيساً للسودان لن أتحدث عن الحكومات السابقة إطلاقاً. بل سوف أركز جهدي في كيف أنهض بدولة تتوافر لديها كل أسباب النهضة. لي فلسفة ورؤية للنهضة، لكن لن أفصح عن تفاصيلها إلا إذا «أصبحتُ رئيساً للسودان»..

بروفيسور عبـدهـ مختـار
الانتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *