عثمان ميرغني : المسكوت عنه

عثمان ميرغني : المسكوت عنه

مشكلة العلاقات بين السودان ومصر أن (المسكوت عنه)، ولافتات التحذير (ممنوع الاقتراب والتصوير)، تجعل المشهد- دائماً- (ممنتج)، ومزور، وغير حقيقي.. ولا سبيل لإصحاح هذه العلاقات دون التحديق في صورة بالأشعة المقطعية تقرأ بواطنها المحروسة بالصمت.
حتى هذه اللحظة هي علاقات (سياسية) بامتياز.. تنفرج أساريرها كلما انفرجت أسارير الساسة في البلدين.. وتتجهم وتنقبض بتجهمهم.. ولأن السياسة رمال متحركة فالعلاقات تتحرك معهم، فيدفع الشعبان السوداني والمصري ثمن حركة الرمال التي تدفنهم تحتها تارة.. وفي أفضل الأحوال تكتفي بمجرد تعفير الوجوه.
عبارات الحب والغزل المتبادلة دبلوماسياً من شيمة (علاقات تأريخية أزلية) هي لمجرد إخفاء عيوب قصر نظر البصيرة الإستراتيجية.. فلا مصالح متبادلة، ولا مشروعات في أفق المستقبل القريب، ولا البعيد.. وعلاقة السودان بالصين، أو ماليزيا، أو الهند.. بل حتى مع دول بعيدة مثل البرازيل أقوى كثيراً من علاقات السودان بمصر.. ولهذا ما أن تظهر في السماء سحب خفيفة حتى ترتعب العلاقات، وتعلو الأنفاس، وتهبط.
عندما كنا طلاباً في الجامعات المصرية.. كان تصريح سياسي واحد من الرئيس نميري كافٍ لتطالبنا في اليوم التالي الجامعة بدفع الرسوم بالعملة الصعبة تماماً مثل طلاب دول الخليج العربي.. ثم تصريح آخر معاكس يعيدنا مرة أخرى إلى الرسوم التي يدفعها زميلنا الطالب المصري.. كنا- دائماً- نقرأ نشرة الأحوال السياسية؛ لنعلم كيف ستشرق علينا شمس اليوم التالي.
كتبت أكثر من مرة، ومن سنوات طويلة طالبت بترسيم المصالح المشتركة بصورة واضحة.. والاستثمار فيها، لا في العواطف المطرزة بالنفاق السياسي.. لأن أساس المشكلة أنه بقدر ما مصر مدركة- تماماً- مصالحها في السودان، فإننا في السودان نجهل مصالحنا في مصر.. فأعلى ما يطالب السودان به مصر رسمياً.. إلغاء تأشيرة الدخول.
مصر في حاجة إلى السودان؛ لأنها هبة النيل.. وتدرك أن النيل هبة السودان.. وأن السودان يملك الأراضي الزراعية التي تحرس الأمن الغذائي لمصر.. وفي المقابل السودان يحتاج إلى مصر– دون لف ودوران- لأنها أكبر سوق في أقرب موقع.. وفق هذه المعادلة المتبادلة يجب أن تؤسس إستراتيجية العلاقات السودانية المصرية.. حتى تخرج من دهاليز التدابير السياسية والأمنية إلى ملفات الغرف التجارية المشتركة، والبنوك، والشركات، والأعمال.
تصبح العلاقات منتجة كلما خرجت منها الحكومات (بخيرها وشرها).. مثل كل دول العالم التي تنشط فيها المصالح عبر وسائط الشعوب لا الحكومات.
يجب فتح الملفات المسكوت عنها في العلاقات بين البلدين؛ لتبنى على بصيرة إستراتيجية.. لا تتأثر بالعواصف، والأمطار، والطقس السياسي.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *