نزاع الأراضي… صراع الأحياء القديمة والقوانين الحديثة

نزاع الأراضي… صراع الأحياء القديمة والقوانين الحديثة

المواطنون : توارثنا هذه الأراضي أباً عن جد ولن نتخلى عنها

الأراضي: لا اعتراف بما يسمى بالتاريخية وشهادة البحث الإثبات الوحيد

محامٍ: القوانين كفيلة بإرجاع الحقوق إلى المواطنين وهذا هو الحل

كبج: الحكومة تلجأ لبيع الأراضي التاريخية لمواقعها المتميزة

الطيب زين العابدين : إنشاء مفوضية للأراضي يحسم هذه النزاعات

تحقيق:عواطف إدريس

أثارت قضية نزاع الأراضي بين المواطنين والحكومة لغطاً كبيراً فى الآونة الأخيرة وخاصة المناطق التي تعرف بالتاريخية والتي تقطنها مجموعات سكانية قديمة قدم التاريخ، فقد أعملت الحكومة قوانينها القديمة والحديثة فى تخطيط وإعادة تخطيط هذه المناطق والقرى باعتبار أن كل المساحات ملك لها عدا الأراضي المملوكة ملك عين عدا ذلك فلها مطلق الحرية في التصرف في هذه الأراضي وفقاً للخطط الموضوعة، بينما يرى المواطنون أن هذه الأراضي ملك لهم توارثوها منذ القدم ولن يتنازلوا عنها لأحد وليس للحكومة سلطان عليها وهم يرغبون في العيش فيها وتوريثها لأبنائهم بعد ذلك كإرث تاريخي يسعون للحفاظ عليه، وفي هذا الصدد فإن والخرطوم مليئة بالمناطق القديمة والتي يمكن توصيفها بالأراضي التاريخية مثل الحماداب والشجرة ومناطق البراري والحلفايا وغيرها والتي حدثت بها مصادمات ونزاعات خلفت وراءها فوضى وسقوط قتلى وجرحى من المواطنين والقوات النظامية.

اكثر من نموذج

وخلال الفترة الماضية شهدت العاصمة والولايات الكثير من حالات النزاع بين الدولة والمواطنين حول أراض يؤكد كل طرف احقيته في التصرف فيها وامتلاكها، وأسفر هذا التنازع عن وقوع قتلى بعدد من أحياء العاصمة بل حتى إن الأحداث التي شهدتها المنطقة الواقعة الى الجنوب من أم درمان كانت الارض سبباً فيها، ويعتقد مراقبون أن هذه المستجدات تعود بشكل مباشر الى ارتفاع قيمة الأرض بالعاصمة والولايات بالإضافة الى أنها باتت مورداً أساسياً للحكومة توفر من خلال عمليات بيعها أموالاً تبدو الخزانة العامة في أمس الحاجة إليها، فيما يؤكد مواطنين أن الممارسات الخاطئة التي ترتكب من قبل جهات حكومية تستهدف بشكل مباشر سكان الأحياء القديمة بالعاصمة وتهدف الى إجبارهم على هجر أراضيهم وذلك لموقعها المتميز، ولأن القضية طفت على السطح بصورة واضحة جراء اشتباكات عدد من مواطني الأحياء القديمة بمدن العاصمة المختلفة داخل البرلمان على الخط وذلك حينما أصدر قرارًا قضى بوقف نزع أراضي المواطنين وعرضها للاستثمار بدون تراضٍ أو تعويض أصحابها وهدد بالوقوف ضد مشروع القانون ، واعتبر نزع الأراضي بالقوة هيمنة جديدة أتى بها قانون الاستثمار الجديد الذي أتاح للحكومة نزع ملكيات الأراضي ومنحها للمستثمرين، وللبرلمان رأي واضح في مسألة انتزاع الأراضي من أصحابها دون تراضٍ أو تعويض فقد رفض نائب البرلمان المستقل محمد الصديق دروس بشدة نزع أراضي المواطنين عنوة، وقال إن البرلمان سيقف الى جانب المواطنين وإن الحد الفاصل بين البرلمان والمرسوم والدستور أن يأخذ أي مواطن حقه في أرضه وأشار إلى أن مرسوم رئيس الجمهورية بشأن مشروع قانون الاستثمار أبرز ما فيه أن المواطن العادي الموجود في أرضه منذ مئات السنين لا تنزع أرضه ولا تؤخذ منه وإن تم ذلك فيكون وفق رضائه، كما اعتبر أن نزع الأرض بالقوة هيمنة جديدة وهدد بوقوف البرلمان ضد مشروع القانون حال سلب أراضي المواطنين ومنحها للمستثمرين .

من ناحية اقتصادية

ويرى كثيرون ان الدافع الأساسي وراء استراتيجية الدولة الأخيرة خاصة بولاية الخرطوم الرامية الى تسجيل أو نزع اراضٍ بعدد من الأحياء القديمة تعود الى نظرتها الاقتصادية إليها، وفي هذا الصدد يشير الخبير الاقتصادي محمد ابراهيم كبج الذي اعتبر في حديث لـ(الصيحة) أن للمناطق التاريخية قيمة في السياحة ولحفظ تاريخ السودان خاصة فيما يختص بالخرط وطراز الأبنية وشكل توزيع المنزل فمثلاً في الماضي المنزل الواحد كان يضم عشر أسر صغيرة ممتدة من الأسرة الكبيرة، وأضاف: تأتى خطورة مثل هذه الأراضي في من يشتريها لن يحافظ على قيمتها التاريخية وسيبني في مكانها عمارة من البناء المسلح مما يعني استبدال القيمة التاريخية لهذه الأرض والتي لا تقدر بثمن الى قيمة مادية بحتة وهنا لا نكون جنينا شيئاً غير المال، وأنا مثلاً ولدت في أم درمان بالقرب من مستشفى أم درمان وكانت تسمى بـ(البكج) وهو مبني بعد المهدية مباشرة ولا زال قائماً وقيمته لا يمكن تقديرها مادياً باعتبارها أرضاً لها قيمة تاريخية، وبالنسبة لمن يريد أرضاً للسكن والاستثمار يجب أن تخطط له أراضٍ بعيدة عن هذه الأراضي التاريخية، والسبب الثاني في رأيي لبيع مثل هذه الأراضي غير أنها تاريخية هو مواقعها المتميزة والتي تقع داخل العاصمة مما يدر على الحكومة عوائد مادية مميزة وجلب الإيرادات وليت هذه الإيرادات المالية يتم عكسها في الخدمات وإنما تهدر في الاختلاسات والرشاوى وغيرها، ومن المفترض أن الحكومة تحافظ على هذه الأراضي وتعمل على منع الناس من بيعها وليس أن تقوم هي نفسها في التفريط فيها وبيعها وجني الأموال من خلال بيعها وهذا التصرف فيه لا مبالاة من الحكومة.

الأراضي ترد

بالمقابل يقول مدير عام مصلحة الأراضي محمد الشيخ محمد في حديث لـ(الصيحة) أنه لا يوجد ما يسمى بالنزع إلا في الأراضي الزراعية بتغيير غرضها إلى سكنية أو خطط سكنية أو لإقامة مشروعات قومية مثل الكباري والطرق ولكن لا يوجد نزع لمناطق تاريخية، فقلت له إن النزع الذي أقصده تم في مناطق مثل الشجرة والحمداب والحلفايا فقال إن منطقتي الشجرة والحمداب أراض سكنية قائمة منذ عشرات السنين ومخططة وهنالك إعادة تخطيط فقط، ونحن كحكومة لا ننزع الأرض إلا لغرض عام، والمستند الذي يثبت ملكية الأرض لكل شخص هو شهادة البحث، وأضاف: من واقع مسؤوليتي كمدير عام مصلحة الأراضي بولاية الخرطوم ألتزم لكل شخص يثبت ملكيته لقطعة أرض معينة بشهادة بحث نزعتها منه الدولة لأي غرض بتعويضه تعويضًا عادلاً بحسب قانون نزع الملكية لعام 1930م، وبناء على ذلك فكل شخص لديه ملكية مثبتة بشهادة بحث فهذا على مسؤوليتى المباشرة ، وأنا كمدير للأراضي يحكمني قانون التخطيط العمراني والتصرف في الأراضي لسنة 1994م وقانون نزع الملكية، ولكن إذا جاءني شخص وقال لي أنا لدي حقوق تاريخية في هذه الأراضي لا أتعامل معه، ويمكن أن يتعامل معه السياسيون والمعتمدون وغيرهم فأنا لا أعترف بمصطلح أراض تاريخية، وقانون التسوية والتسجيل صدر عام 1925م أي قبل استقلال السودان ولذلك الملكيات مسجلة منذ ذلك التاريخ والذي لم يقم بالتسجيل فإن قانون 1970م نص في أحد مواده أن أي أرض غير مسجلة تعتبر ملكاً للحكومة يبقى أي شخص لديه قطعة أرض قام بحيازتها وتسجيلها باسمه قبل هذا القانون فهي ملكه ولو لم يقم بحيازتها فهي ملك للحكومة، وأنا في النهاية يحكمني القانون وليس الاجتهاد لأنه لا اجتهاد مع نص قانوني، وإذا القانون حكم بأن الشخص الذي ليس لديه شهادة بحث لا حق له فلا يمكنني أن اجتهد له في ذلك لأن العقد سينفرط لسبب أن هنالك أشخاصًا يحتالون على ذلك وقد يقسمون بالمصحف أن الأرض تعود ملكيتها له وهو كاذب وبهذا سوف أملكه ما ليس له وأخالف القاعدة العامة التي تقول (لا اجتهاد مع نص)، والحكومة لديها قوانين ولوائح وضوابط ملتزمة بها بعكس ما يروج له البعض .

استرداد الحقوق بالقانون

المحامي بارود صندل يقول إن استرداد الحقوق لا يتم إلا بالقانون ويقول لـ(الصيحة): الأراضي نوعان النوع الأول هو الحكر والدولة هي مالكة للأرض والمواطن لديه حق الإيجار والانتفاع والنوع الثاني ملك حر وهو ملك للمواطن ولا يمكن نزعه إلا برضى المالك وبالقيمة السوقية (قيمة الأرض في السوق) ولكن أحياناً من ناحية موضوعية يكون هنالك تعارض ما بين مصلحة المواطن والمصلحة العامة الدولة تنزع الأرض وتدفع قيمتها بسعر السوق زائداً قيمة إضافية ولكن الحكومة حالياً لا تلتزم بهذه الإضافة، والشيء المهم هو أن النزع أو الإزالة يتم للصالح العام وليس لأشخاص مثل فتح شارع أو إنشاء مؤسسة عامة أو إنشاء كباري وغيرها، أما الملك الحكر المملوك للحكومة فإن الحكومة تنزعه في أي وقت بشرط تعويض صاحب الإيجار أو المنفعة تعويضا فقط وليس قيمة الأرض المنزوعة وهذا هو القانون، وحالياً في السودان فإن الأراضي تسمى أهلية حيث وضع عليها المواطنون أيديهم ولم يؤجروها من الحكومة ولم تقل لهم الحكومة أسكنوا بها مؤقتاً “براهم كده مسكوا الأرض”. وفي قانون العام 1970م أي أرض لم تسجل قبل هذا التاريخ تعتبر مسجلة باسم حكومة السودان والحكومة هي المالكة لها ويعتبر المواطنون منتفعين سكناً او إيجاراً وغيرها، والمشاكل الحالية بها مبالغة من المواطنين “يقولوا ليك دي أرضنا والحكومة نزعتها” في حين أنها ملك لها ولكن نسبة لوجود فساد وأعمال خاصة بالبعض ومصالح فإن الحكومة فبدلاً من التقيد بالإجراءات القانونية السليمة والمعروفة بإعلام المواطنين بأن يأتي المواطنون اليهم سواء كانوا حائزين او مستفيدين بأننا نريد تحويل الأرض للإستثمار وخلافه والجلوس معهم والاتفاق على التعويضات ويتناقشون ومن الممكن أن يصبح التعويض جزءاً من الأرض أو تعويضاً مادياً أو أرضاً زراعية او سكناً وغيرها من التعويضات بحيث تصبح التسوية مرضية للطرفين ولكن ما يحدث حالياً من طرد وتكسير غير مقبول فمن غير المنطقي أن تكون الدولة ضد المواطنين، والحل القانوني السليم والذي يضمن عودة الحقوق هو الذهاب الى المحاكم والاحتكام الى القوانين وتوكيل المحامين بدلاً من إضاعة الوقت في الأجاويد والواسطة أو النشر في الصحف ومن الأفضل لهم توكيل المحامين ونحن نعرف كيف نستخرج لهم حقوقهم وقد أرجعنا حقوقا كثيرة للمواطنين انتهت بالتعويضات المجزية والمرضية لهم من الحكومة وإعطائهم بدائل أفضل من التي تم نزعها .

مفوضية الأراضي

سألت أستاذ العلوم السياسية الدكتور الطيب زين العابدين عن اتجاه الحكومة للتصرف في الأراضي القديمة والتي لها خلفيات تاريخية لقاطنيها فقال” الحكومة تستند على قرار أو قانون أصدره الرئيس النميري في العام 1970م جاء فيه أن أي أرض غير مسجلة لأشخاص هي أرض حكومية وبهذه الحجة يمكن للحكومة مصادرة أي أرض وتنزعها، وأضاف: ومن المفترض إنشاء مفوضية للأراضي وهي منصوص عليها في اتفاقية نيفاشا وفي دستور السودان للعام 2005م في المادة (187) تسمى المفوضية القومية للأراضي جاء فيها (دون المساس باختصاصات المحاكم تنشأ مفوضية قومية للأراضي تكون لها المهام الآتية أ ” التحكيم بين الأطراف المتنازعة الراغبة في الاحتكام اليها بشأن مراجعات الأراضي”، وقال د. الطيب ” أن مصلحة الأراضي تقوم بالأعمال الوظيفية والفنية مثل أعمال المساحة والتخطيط وغيرها، ولكن مفوضية الأراضي للتحكيم في النزاعات حول الأراضي وتستصحب معها الأعراف لأن هنالك مواطنين ينتفعون من الأراضي لسنوات طويلة ويعتبرونها أرضهم ويتوارثونها ويقولون لك هذه أرض أسرة فلان وتكون متعارفا عليها بين الأهالي، وكون الحكومة لم تنشئ مفوضية للأراضي الى الآن فإن هذا خطأ كبيرا من قبل الحكومة وهي المفوضية الوحيدة التي لم تنشأ من بين جميع المفوضيات المنصوص عليها في الدستور ” ويواصل حديثه قائلاً ” وأنا أعتقد أن هذا التغاضي عن إنشاء المفوضية مقصود حتى تقوم الحكومة بما تريده حتى لا تتولى جهة أخرى غيرها التحكيم في نزاعات الأراضي، والقانون في عهد الإنجليز كان يعطي اعتبارات للعرف والمنفعة ولم يكن يحتكم للقانون فقط لأنهم كانوا يعتبرون أن القانون واحد من المعايير ، والآن للحكومة فرصة في إصدار قوانين جديدة للأراضي تراعي مثل هذه الأعراف وعدم العمل بقانون 1970م “، ويشير الى أن نزع الأراضي والاستثمار فيها من مسؤولية رئيس الجمهورية خاصة، والحل هو عمل جهة تحكيمية محايدة تنظر في هذه النزاعات، لأنه لا يمكن نزع هذه الأراضي من المواطنين بالقوة ومنحها لمستثمرين أجانب بمئات وآلاف الأفدنة، وهذا الحديث كذلك ينطبق على التعدين بمنح الشركات الأراضي وحرمان المواطنين منها بالقوة الجبرية مما يؤدي الى تصادم واحتكاكات بين المواطنين والشرطة فهذا العمل غير مقبول، وإذا كان المقصود من كل ذلك إحداث التنمية فسكان هذه المناطق هم الأولى بها وفرضية الإنسان هي الأساس، ولذلك يجب على الحكومة إعادة النظر في الطريقة المتبعة لأنها غير صحيحة وعليها أن تعيد النظر بسن قوانين جديدة للأراضي تستوعب التطورات الجديدة في البلد والأعراف القديمة التي كانت موجودة والمنافع التي كانت للمواطنين في هذه الأراضي والحقوق التاريخية للمواطنين في مناطقهم، وأشار الى ضرورة إنشاء مفوضية للأراضي تحظى بتمثيل من المواطنين حتى تنال رضاء الناس وكذلك يكون فيها تمثيل من الأجهزة الرسمية للحكومة، وإذا كانت دولة حديثة كدولة جنوب السودان قد أنشأت مفوضية للأراضي فلم لا ننشئ نحن كذلك مثل هذه المفوضية ، وأنا أرى بأن تسرع الحكومة في إنشائها حتى يتم حل مثل هذه النزاعات، ونحن فى جامعة الخرطوم تم نزع (110) ألف متر مربع من مساحة الجامعة وهي تسمى أراضي ( البركس) ومنحها للصندوق القومي لرعاية الطلاب مع أن الصندوق موجود في الجامعة ولم يطلب منه أحد الخروج ولكن من الخطأ أن تحول له لمنفعته خاصة فهي أرض قديمة كان يقيم بها الجيش الإنجليزي وتم منحها لجامعة الخرطوم بعد خروجه وحينما احتج مدير الجامعة حينها مصطفى ادريس على هذا الأمر تم فصله، ومن الغريب أن تنزع الحكومة أراضي جامعة لأنه يجب أن تمنحها، وهذا استغلال خطأ للنزع من قبل الحكومة ، وفي النهاية نزاعات الأراضي المتسببة بها الحكومة وهذا يعود لعدم احترام للدستور ولا يمكن لشخص واحد التحكم بمفرده في الأراضي وهذ خطأ جسيم لأن مثل هذه الأخطاء تتسبب في النزاعات والفوضى لأن الحكومة لا يمكن فرض رأيها على الجميع .

الصيحة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *