معاملة السودانيين في مصر واجتماعات سد النهضة

فتحية موسى السيد

تصاعدت الأزمة المكتومة بين السودان ومصر بعد أن كشف الخرطوم عن تعرض عدد من مواطنيها لسوء معاملة وتعذيب في مصر بحسب افادات السودانيين بمصر، وانتشرت هذه الأزمة في صفوف الشعب السوداني الذي عممت شريحة واسعة منه يوم الإثنين الماضي حملة ضد المصريين على موقعي التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر بعنوان «مصر ليست شقيقة بلادي» كتعبير احتجاجي حول ما أثير عن تعرض السودانيين في شوارع القاهرة لانتهاكات من قبل الأجهزة الأمنية هناك، وفي الماضي القريب كان شعبا البلدين يترنم بأنشودة تاج السر الحسن «مصر يا اخت بلادي يا شقيقة»، وزادت وتيرة الأزمة خلال الأيام الأخيرة، وبصدد ما يحدث ارسل السودان مذكرة رسمية لمصر حول تفتيش رعاياها بالقاهرة، وهل هناك اسباب منطقية لهذه المعاملة؟ ويبقى هناك سؤال يطرح نفسه بإلحاح: هل الأزمة التي نشبت بين البلدين مصطنعة؟ وهل ما يحدث يعتبر ضغطاً على الجانب السوداني بسبب ملف سد النهضة والتقارب بين السودان وإثيوبيا أخيراً.
كرت ضغط
هناك غموض حول مصير اجتماع الخرطوم لمناقشة أزمة سد النهضة، ومن المتوقع أن يتم تأجيل الاجتماع العاشر لبحث أزمة سد النهضة الإثيوبي المقرر عقده إلى الأسبوع الأخير من الشهر الحالي بين وزراء ري الدول الثلاث «مصر والسودان وإثيوبيا»، فيما أكدت مصادر مسؤولة أن الاجتماع لا جدوى منه سواء كسب المزيد من الوقت للإسراع في بناء سدّ النهضة وتحقيق المصالح الإثيوبية، فضلاً عن أن مصر ليست لديها أية أوراق ضغط على الجانب الإثيوبي، لذلك لجأت الى افتعال الازمة التي نحن بصددها ككرت ضغط على كل من السودان وإثيوبيا، لجهة تخوف مصر الواضح من تأثير سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على نهر النيل على حصتها السنوية من مياه النيل، بينما يؤكد الجانب الإثيوبي أن سد النهضة سيمثل نفعاً لها خاصة في مجال توليد الطاقة، وأنه لن يمثل أي ضرر على السودان ومصر.
مواقف لا تُنسى
نجد أن مصر تحاول دائماً الاندماج مع حضارة اكبر مما يستدعي تباعدها من جنوب الوادى خاصة فى الوضع الراهن، ويظهر ذلك فى ظاهرة الاندماج مع حضارة إمريكا والتباعد من الطرح الاسلامي في السودان، حسبما اشار اليه المحلل السياسي محمد عبد الرحمن الازرق لـ «الإنتباهة» قائلاً: لعل الشاهد على تلك الحقائق ما يدور فى الساحة السياسية على خلفية قرار اثيوبيا انشاء سد النهضة، والاهانات البالغة التى تعرض له السودان من المصريين. وبالعودة الى خلفيات الأحداث نسترجع تعليقات وزارة الخارجية المصرية أثناء لقائهم الرئيس السابق محمد مرسي حول سد النهضة الإثيوبي، وتناولها موقف السودان من السد لا يعبر عن الموقف الرسمي للحكومة المصرية والاتفاق على التعاون المشترك حول مياه النيل، ونقل الوزير كمال حسن فى عهده للخرطوم أن تعليقات القيادات السياسية لا تعبر عن موقف الدولة الرسمي، ومُطالبة الدكتور محمد البرادعي المنسق العام لجبهة الإنقاذ الوطني آنذاك، وقام الرئيس السابق محمد مرسي بالاعتذار لإثيوبيا والسودان عن الحوار الذي عقد برئاسة الجمهورية لبحث أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، حيث قال د. أيمن نور وبوجود مرسى على الهواء مباشرة وعبر التلفزيون الرسمى حول تداعيات سد النهضة، قال ان موقف السودان «مُقرف»، مشيراً «ازرق» إلى أن السودان ظل صاحب المبادرات حيال مصر، ولم يتسبب لها فى اى نوع من انواع الضرر، الا ان مصر مازالت تنظر الى رفض السودان تطبيع العلاقات مع امريكا، وهذا ايضاً سبب آخر في أن العلاقات يشوبها كثير من المُشاحنات، وكل ذلك وفق استراتيجية مصر حيال السودان، لكن مصر دائماً ما تنظر للسودان نظرة التبعية والدونية معاً، وما يؤكد صحة المواقف آنفة الذكر ما جاء في تصريح د. الببلاوى واصراره على مصرية حلايب ويوضح صحة ذلك، والآن سد النهضة.
إمكانية الاستفادة
تجدر الاشارة إلى ان الموقف السوداني حول سد النهضة قد تبلور خلال الأشهر الأخيرة من السنة الماضية، فقد أعلن السودان رسمياً في شهر ديسمبر الماضي عن تأييده لسد النهضة بعد أن اتضح للسودان الفوائد الكبيرة التي سيجنيها من السد، وتتلخّص هذه الفوائد في حجز السد لجزءٍ كبير من الكميات الضخمة من الطمي الواصلة للسودان من الهضبة الإثيوبية، وكذلك وقف الفيضانات المدمّرة، وتشمل فوائد السد على السودان أيضاً انسياب النيل الأزرق طوال العام مما سينتج عنه تنظيمُ التوليد الكهربائي وتعدّدُ الدورات الزراعية وتواصلُ تغذية المياه الجوفية طوال العام، كما اتضح للسودان إمكانية الاستفادة من كهرباء السدود الإثيوبية عندما باعت إثيوبيا للسودان مائة ميقاواط من كهرباء سد تكزي بسعر التكلفة الذي يقل عن ربع تكلفة توليد الكهرباء من سد مروي، ويبدو أن الرؤية قد اتضحت للسودان حول إمكانية سدّ عجزه من احتياجاته من الكهرباء التي تصل إلى قرابة 40% من إنتاجه الحالي، من كهرباء إثيوبيا الرخيصة. وهذا بدوره قد يعني تجميد التفكير في بناء أية سدودٍ جديدة في السودان للتوليد الكهربائي «خصوصاً مع غياب التمويل».
الخارجية تستوضح
الخارجية السودانية قدمت مذكرة إلى الخارجية المصرية تستفسر وتستوضح فيها عن الحملات الخاصة بتفتيش السودانيين واحتجازهم بعد تزايدها فى الفترة الأخيرة على نحو ملحوظ، حيث قال على الصادق المتحدث باسم خارجية الخرطوم انهم لن يسمحوا باستغلال أو إهانة أى مواطن سودانى فى الخارج، مؤكداً أن السفارة تتابع فى القاهرة ما يتردد عن تعرض سودانيين إلى سوء معاملة من السلطات المصرية، لافتاً إلى أن الحكومة ستتخذ الإجراء اللازم الذى يحفظ كرامة مواطنيها وهيبة السودان إذا ثبت للخارجية ما يؤكد الأخبار المتداولة عن تعرض السودانيين بمصر لسوء معاملة، وحينها سيكون لكل حدث حديث، هذا هو الموقف السوداني حيال الازمة. وفتحت باب التكهنات من الرأي العام حول تساؤلات عديدة اولها حلايب، اما رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان محمد مصطفى الضو فقد قال للصحيفة ان الخرطوم فى انتظار توضيحات من السلطات الرسمية المصرية حيال السوء البالغ الذى بات يعامل به السودانيون فى القاهرة أخيراً بواسطة الأجهزة المصرية الشرطية والأمنية، مؤكدًا أن كل الخيارات مفتوحة للتعامل بما يحفظ أرواحهم فى مصر وكرامتهم وأموالهم.
أزمة مصطنعة
يبدو أن العلاقات المصرية السودانية تشهد حالة من التوتر هذه الأيام بعد تصاعد اللهجة فى الشارع السودانى ضد مصر، حيث قال المهندس بوزارة الري اسماعيل حسبو لـ «الانتباهة» إن نشوب الأزمة ربما يكون مصطنعاً، وذلك قبل أيام قليلة من انعقاد الجولة العاشرة لاجتماع اللجنة الفنية لسد النهضة الإثيوبى فى الخرطوم لوزراء الخارجية والمياه فى الدول الثلاث «مصر والسودان وإثيوبيا» للاجتماع فى القاهرة لحل الخلافات العالقة بصدد السد، والسؤال هو: هل ما يحدث ضغط من قبل مصر على السودان فى قضية سد النهضة؟ المتابعون للموقف يؤكدون أن هناك ضغوطاً على السودان بعد الموقف السوداني الأخير والقاطع خلال الاجتماعات بأن الفائدة ستعود على السودان من خلال انشاء هذا السد، ومصر لن تتنازل عن حقوقها فى مياه النيل، لكن السؤال الذى يطرح نفسه بقوة هل هذه الأزمة مصطنعة كما وصفت لتخلى السودان عن مصر فى قضية سد النهضة، كما أكد حسبو، سيما أن الخرطوم منذ البداية لعبت دور الوسيط ولم تأخذ موقفاً داعماً لمصر، فهل يرغب السودان فى أخذ موقف مغاير عن دور الوسيط، وذلك لدعم أديس أبابا فى بناء السد؟
بؤر الشوائب
الكثير من السياسيين يصفون العلاقات بين القاهرة والخرطوم بالأزلية التى تمزج بين الإخوة القوية والمصالح المشتركة، مشيرين إلى أنها لم تخل من وقت لآخر من بعض بؤر الشوائب، فلعبة السياسة كما يقولون لا تعرف قواميسها الصداقات، وأثارت الخطوة حفيظة الشعب السوداني حيال المصريين، خاصة أن هذه الأحداث تمثّل مؤشراً إلى أزمة حقيقية بين البلدين لم تظهر معالمها بعد، وإن كانت التكهنات تشير إلى ملفي حلايب وسد النهضة الإثيوبي، حيث وبدأت بعض أصوات تعلو، الأمر الذي يشير إلى حتمية اتخاذ مواقف واضحة من وزارة الخارجية السودانية حول ما يدور واستجلاء الأمر، سيما بعد التغييرات الإقليمية الأخيرة المتصلة بعلاقة مصر بالسعودية وموقف الأولى من عاصفة الحزم، ومحاولة مصر من خلال السودانيين الضغط على الخرطوم لتغيير موقفها الداعم لإثيوبيا، ويعتبر أن ما تم بشأن عمال التنقيب السودانيين والمضايقات يندرج في سياق الضغط المصري، إضافة إلى احتضان القاهرة معارضين سودانيين، مرجحين أن تؤدي تلك الأزمة في حال تفاقمها إلى إلغاء اتفاق الحريات الأربع.

الانتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *