السودانيون في مصر.. رحلة الشهد والدموع

كومبارس حدث نفسه : لن استطيع أن أنام في هذا الضوضاء، قرر أن ينهض ليكمل ليلته في “قهوة” أولاد خيرالله في مجاهل حي بولاق .

هناك من السودانيين من جاء الى مصر يافعا

فانتثرت أيامه بين أزقتها ونسائها وحشيشها وخمرها وانسها حتى تعب فأصبحت القهوة غرفته وتحت الكوبري منزله والشارع والطرقات حوشه الكبير.

“شيكا” شيخ الطريقة الدماغية يقضي 26 عاماً بالمحروسة

“كومبارس” زامل عادل إمام ويتخذ من أسفل كبري (15) يوليو مسكناً

تحقيق: عطاف عبد الوهاب

بعد أن انتشرت مشاكل السودانيين مع السلطات المصرية، وضج إعلام الخرطوم بالتنديد.. كان هذا التحقيق الذي يبلغ عاماً من العمر.. بحثنا فيه عن السودانيين في مصر، فالسودانيون المغتربون في مصر ليسوا كالمغتربين في بقية الدول العربية، هناك يناديك المصري يـ (ابن النيل) ولا تحس بأنك غريب الوجه واليد واللسان على رأي شاعر العربية الأكبر أبو الطيب المتنبئ، ربما هذا هو السبب الذي جعل السودانيين يقيمون لمدة ثلاثين وأربعين عاماً يتزوجون المصريات ويتناسلون ويعيشون حياتهم بطريقة تكاد تنسيهم أرضهم التي انحدروا منها، هم هناك يعملون في جميع المجالات وبالرغم من أن الرواتب ضعيفة، إلا أنهم يفضلون العيش هناك على العودة إلى السودان، هناك من فاز وحالفه الحظ واتجه نحو الشمال بأقصاه في بلاد تموت من البرد حيتانها، في المقابل هناك من مات من البرد في شوارع القاهرة كالفنان التشكيلي محمد بهنس الذي جاء إلى القاهرة قادماً من الخرطوم وقضى بالقاهرة عامين يجوب شوارع وسط البلد بعد أن أقام معرضاً تشكيلياً للوحاته، وآخر للصور التي التقطها في أماكن متفرقة وغالبيتها تعكس الثقافة والفلكلور الإفريقي، وهناك أيمن الذي ما زال حتى اللحظة في شوارع العتبة وتحديداً عند قهوة الموردة، يريد أن يأتي إلى السودان ولا يستطيع، وهناك أيضاً النصابون والدجالون والعصابات وغيرهم.

مدخل
عبد الرحمن (كومبارس)
ازدحمت الأنوار والمصابيح والألعاب النارية وأضواء البنايات الشاهقة والسيارات.. ثمة إحساس غامض أن الليلة مختلفة عن ليالي القاهرة، دقت الساعة “تصحي” الليل كما تدندن أم كلثوم في أغنية فات الميعاد.. هناك عند شارع الكورنيش أمام الماسبيرو تتسع الرؤية ويضيق الأفق عندما يفصل النيل بين أعرق حيين في القاهرة فمن الغرب حي الزمالك أعلى الهرم البنائي والثقافي والاجتماعي، ومن الشرق حي بولاق أبو العلا، أسفل الهرم ومن أعرق الأحياء الشعبية، تحت الكبري الذي يزاوج بين العراقة والحداثة في أحياء القاهرة وقف (عبد الرحمن كومبارس) يفرش مجموعة من البطاطين في الأرض وقد أحضر معه علبة (كشري) وأخرى للماء.. بالإضافة لعلبة سجائر رخيصة الثمن وبغيضة الكيف، وبعد أن رتب فراشه جلس على ركبيته وتناول العشاء ثم أشعل سيجارة، وظل يتأمل لوقت طويل في وجوه المارة، – حدث نفسه – الوضع ليس مناسباً البتة للنوم !! لن أستطيع أن أنام في هذا الضوضاء، قرر أن ينهض ليكمل ليلته في “قهوة” أولاد خيرالله في مجاهل حي بولاق.

سيدي السلطان

قبل أن يتوجه إليها عرجت قدماه إلى كشك صغير مهجور ليطمئن على بضاعته المزجاة هناك، حيث ظل طوال اليوم يجمعها من الحواري والأزقة والشوارع “علب البيبسي والبيرة” الفارغة ليبيعها بالكيلو.. بعد أن اطمأن على بضاعته ذهب إلى جامع “سيدي سلطان أبو العلا” في حي بولاق التي سميت بولاق أبو العلا تيمناً باسمه، وهو أحد الأحد عشر المعروفون في مصر كالسيدة زينب وسيدي الحسين والسيدة عائشة، هناك اغتسل ولبس ثوباً آخر ثم وقف دقيقة أمام قبر سيدي السلطان غمغم وبالأحرى (رطن) ببعض الكلمات، توجه بعدها إلى حيث أكون في القهوة، كثيراً ما أقابله هناك يحكي لي بلهجة مصرية شعبية خالصة تستمتع بها خاصة وهو يحاول أن يقحم بعض المصطلحات السودانية التي يخونه لفظها، يحكي قصصاً شتى عن كثير من السودانيين الذين خطفتهم هذه الأزقة وانهمرت فوق رؤوسهم السنون فغمرتهم حيناً فقط وقتلتهم حيناً آخر.

كومبارس
في المقهى أصر العم عبد الرحمن (كومبارس) أن يسقيني كوبا من الشاي فهو اليوم قد باع جيداً ومجموع ربحه تعدى الثلاثين جنيهاً، قبلت دعوته وأمامي حجر شيشة قدمته له فأخذ منه أنفاساً عميقة متتابعة ثم استرخى في الكرسي وقال لي: هل تعلم يا بني أنني قضيت خمسة وثلاثين عاماً في مصر لم أجلس إلى سودانيين إلا بعدد الأصابع ؟؟!! فسألته لماذا؟ قال هكذا أراد الله !.. ثم أسند ظهره إلى الكرسي وظل يستمتع بأنفاس الشيشة وأنا أتأمل في وجهه المنهك وجسده المرهق وهو يبدو أكبر من الخمسة وخمسين عاماً هي عمره الآن.. ظل عم عبد الرحمن طوال هذه السنين يعمل بواباً تارة وزبالاً تارة أخرى، يعمل هنا حيناً وهناك حيناً آخر.. شارك عم عبد الرحمن مع الكثير من الممثلين والممثلات في دور كومبارس ومنها اكتسب لقبه الذي أصبح مشهوراً به في حي بولاق، (كومبارس) عمل مع الزعيم عادل إمام والساحر محمود عبد العزيز وأحمد راتب، وغيرهم، ويعد مسلسل “القضاء في الإسلام” من أشهر المسلسلات التي عمل بها، والمسلسل من أشهر المسلسلات التاريخية وجسد دور البطولة فيه عدد من النجوم بينهم أشرف عبد الغفور ومديحة حمدي وعبد القادر عودة وسمير حسني وغيرهم، لم يكن للكومبارس حظ في التعليم، حيث توفي والده وهو ابن سنتين فتزوجت والدته بآخر توفي هو أيضاً بعد أن أنجب من أمه أخاً يصغره بأعوام قليلة، و(كومبارس) لم يتزوج رغم تخطيه الخمسين من عمره.

نار الخرطوم .. ولا جنة مصر

لا يعرف (كومبارس) من السودان سوى الحاج يوسف أو (الحق يوسف) كما ينطقها على الطريقة المصرية وشيء من السجانة ما زال، أما الكثير فقد ضاع في متاهات القاهرة – كما قال – عندما جاءها يافعاً فانتثرت أيامه بين أزقتها وأنسها حتى تعب فأصبحت القهوة غرفته وتحت الكوبري منزله والشارع والطرقات حوشه الكبير.
رفعت بصري أتأمل في عم عبد الرحمن الذي يحب الجلوس في هذه القهوة حيث كل شيء .. القهوة.. الشاي .. الينسون.. الشيشة.. أيقظته من حالته تلك وسألته.. ماذا فعلت يا عم عبد الرحمن في موضوع سفرك؟ أجاب لا شيء أنا بانتظار أحدهم ليعطيني تذكرة الرجوع، أريد حقيقة أن أعود للسودان، ما زلت أذكر قول أمي لي: يا ابني نار السودان خير من جنة مصر، ثم استدرك قائلاً وأنا أصلاً لا أعيش في أي جنة بل بطانية تحت الكوبري وضحك ضحكة مكتومة لم تكن من قلبه..

(شيكا)

شيكا أنموذج آخر .. هو من دنقلا العجوز أصلاً وميلادًا.. قضى طفولته في القطينة مع أسرته المكونة من أبيه (الجزار) وأمه (ربة المنزل) برفقة أخوين وأخت واحدة، عاش طفولته بالقطينة، ثم انتقلت أسرته إلى أقاصي غرب السودان، إلى (كادوقلي) بجنوب كردفان في ستينيات القرن المنصرم، عاش شبابه في جبال النوبة، وفي العام 1987 هاجر إلى مصر للدراسة، ذهب إلى هناك وهو يحمل ثلاث ثقافات بين جنبيه..
شيكا.. هذا هو لقبه الآن في حواري القاهرة، لا يعلم شيئاً عن أسرته منذ 26 عاماً مضت، لم يرسل فيها خطاباً إليهم، ولم يستقبل فيها مكتوباً منهم، ولا يعرف عن قومه شيئاً يذكر، يسكن في غرفة بائسة بعمارة تقبع في أقصى القاهرة عند قرية صغيرة، تبعد عن وسط البلد بحوالي نصف ساعة بالمترو.. هذه القرية تحولت إلى شبه مدينة بعد أن أزال أهلها أشجار (عمتنا النخلة) التي كانت أراضيهم تمتلئ بها مزارعها وأصبحت بفعل الانفجار السكاني الذي شهدته مصر نهاية القرن المنصرم غابات اسمنتية تحتضن الملايين من أبناء الشعب المصري بينها غرفة يتيمة تضم في بؤسها شيكا، الذي جاء طالباً بمصر، وظل منساقاً وراء أضابيرها 26 عاماً عجافاً..

شيكا والروبابيكا

ذهبت إلى شيكا – ذات مساء – وجدته يجلس القرفصاء في غرفته التي لا تحوي من حطام الدنيا إلا القليل، ناداني (أهلاً يا بلدياتي)!! غرفته تضج بالكتب والمجلات والجرائد، وجردل بالٍ (فيهو الهدوم) وأدوات النجارة – نسيت أن أقول لكم إن شيكا درس النجارة لكنه لم يكمل تعليمه وخرج من الجامعة بالمستوى الثاني – في هذه الغرفة الكئيبة أثاث قديم (روبابيكا) وثلاجة لا تعمل، حولها شيكا إلى مخزن لمواده التموينية، وغسالة تحتاج نفسها إلى غسيل.. وسرير يتيم، وسخان ماء، سرعان ما أشعله ليعد لي كوبا من الشاي كواجب للضيافة.. غرفة أنحاؤها متآكلة، نهض شيكا من مكانه – مترنحاً – فأخبرني أصدقاؤه الذين كانوا معه (أحمد + كريم + عزو ) وكلهم مصريون بأن أعذره،
فقد لعبت السيجارة الحشيش برأسه وعلمت أنه شرب نصف زجاجة ويسكي التي أمامه وقد بلع نصف برشامة (ترامادول) المعروف شعبياً في السودان بـ(الخرشة)..
الساعة الحادية عشرة ليلا – وقت زيارتي إليه – وهذا وقت كالعصر في السودان فالمصريون لا ينامون إلا مع ساعات الفجر الأولى – أصدقاؤه الذين معه شباب لم يبلغوا الثالثة والعشرين من العمر ابتداءً من عمر الزهور، يتحلقون حوله وفي سرير واحد وكأنهم حيران وهو كبيرهم وشيخهم الذي بايعوه على الطريقة الدماغية، جلست إليهم وهم يستمعون إلى شيكا ويتحدثون إليه ويستمتعون بتعاطي الحشيش..

(حجيتك ما بجيتك)

العم شيكا- حقيقة – معروف لدى أهل المنطقة يحترمه الجميع كبيراً وصغيراً لأنهم كما يقولون (في حالو) لا يحب إثارة المشاكل هادئ الطباع ويعشق الضحك والنكتة والابتسامة إضافة إلى الجلسات الدماغية،
في تلك الجلسة يحكي لهم شيكا الحكاوى، ويقص عليهم القصص (حجيتك ما بجيتك)، ثم ما لبثت الغرفة أن ضجت بدخان الحشيش الذي يتناولونه عن طريق الكأس وبدأت أعينهم يغشاها الاحمرار، ويتزوجها النعاس، وما هي إلا لحظات حتى ودعوا العم شيكا وانصرفوا كل إلى حال سبيله.. هنا سألته – بفضول قاتل – لماذا يجلس إليك هؤلاء؟ مع ملاحظة الفارق السني طبعا، فأجاب: أنا لا أجلس إلى السودانيين هنا في القاهرة منذ عشرين عاماً مضت وليس لي أصدقاء هنا سوى هؤلاء المصريين وفي هذه السن بالذات – ولم أفكر بأن أقيم أي علاقة صداقة مع سودانيين- فهم إما محتالون كأولئك الذين يجلسون في مقاهي العتبة وسط البلد يتفرسون في أوجه ضحاياهم.. أو أنهم – أي السودانيين – يظنون أنني محتال مثل أولئك الذين يجلسون أيضاً بالمقاهي.
وفي كلا الحالتين – كدا أحسن – أن أبتعد عنهم.. أما بالنسبة لهؤلاء الشباب الذين يأتون إلى غرفتي فهم يعيشون شبابهم، ولا حرج، وأنا أكبر منهم سناً وأعمق خبرة وكما يقولون أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة، وهم يعتقدون أنني ممتلئ بتجارب الحياة وهذا من الناحية النظرية صحيح.. أنا أعلم أوجاعهم ومشاكلهم وأعرف حتى عائلاتهم وأسرهم، نحن نتشاور.. نتناقش ومد إليَّ كوب الشاي ثم أرخى ظهره على الحائط واستنشق نفساً طويلاً من سيجارة حشيش احتفظ بها بعد ذهاب الشباب حتى (يحبس بيها) على حد قوله..

إحلال وإبدال

شيكا بشعره الأبيض الذي يغطي نصف رأسه فقط والنصف الآخر صحراوي.. الرجل بجسده النحيل وعينيه الجاحظتين وعمره الذي قارب الخمسين لم يرَ أهله ولا صحبه ولا السودان لمدة 26 عاماً نسي فيها الحوش الكبير والحبوبة وشجرة اللالوبة وشاي الصباح والزلابيا السخنة.. نسي الأفراح كيف تقام والأتراح كيف ينهمر فيها الدمع الذي قال إنه لم يسكبه طوال 26 عاماً، تحجرت عيناه، وتبدلت مشاعره وأحاسيسه استبدل محمد وردي بجورج وسوف، وأحمد المصطفى بعمرو دياب وسيد خليفة بإيهاب توفيق، شيكا تزوج مرة في حياته من مصرية بمنتصف التسعينيات ولم يستمر معها لأكثر من عام، لم ينجب أطفالاً. أفرزت التجربة الفاشلة عن مطلقة وعازب آخر.. تزوج للمرة الثانية من مصرية أيضاً لكنه لم يضيء لمبة حمراء ولم يدخل بها وطلقها، ليعيش عمره يُمني نفسه ربما بالأطفال.. شيكا يبرر فشله في الزواج أن المجتمع المصري يختلف تماماً عن المجتمع السوداني، لذلك من الصعب أن تتأقلم المصرية على طبعك والعكس صحيح – كما قال – مع أن الحقيقة أن شيكا تغيرت لهجته تماماً وهو يتحدث اللهجة المصرية أحسن من أهلها، ونسي مخارج الحروف السودانية و(الفونيتيك) السوداني دعك من لهجة الراندوك.
شيكا في ربع القرن الخالية لم يستقر على حال واحد، نام في فيلا وفي شقة وفي الشارع وفي حديقة وفي الكورنيش وفي قلب ميدان التحرير وخلف أسوار السجن.. اشتغل في كل شيء يخطر على البال ليأكل ويشرب ويعيش. آخر عمل له بلغ أجره فيه سبع سنوات قضاها في سجن ليمان طرة الذائع الصيت..
وبعد أن أتت المكيفات مفعولها وبدأ الفجر قريباً قبل أن يتنفس الصبح.. وبدأت الزغللة تظهر في عينيه قررت أن أنصرف، وعندما توجهت إلى الباب بعد وداعه سألني سؤالاً: هل يمكن أن أعود إلى السودان!!؟.. أجبته صدقني ليس هذا هو المهم.. المهم أن يعود السودان إليك يا شيكا..

الصيحة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *