الطيب مصطفى : أما آن لليل الظلم أن ينجلي؟

رغم الحزن الذي ما انفك يعتصرني جراء مصائب كثيرة داخلية وخارجية شعرت براحة تملأ جوانحي حين قرأت السجال العميق الذي جرى عبر الواتساب بين فتاة بلجيكية في الثامنة عشرة من عمرها ووالدها..
أثار الوالد وضع ابنته على صفحتها في الفيس بوك علم سوريا رغم أن كثيراً من الغربيين يضعون في هذه الأيام على صفحاتهم العلم الفرنسي تعاطفاً مع فرنسا بعد الهجمات التي تعرضت لها باريس مؤخراً فجاءت إجابتها على سؤاله الاستنكاري على النحو التالي ..(لِمَ التضامن مع باريس فقط؟ لماذا لم يرفع علم لبنان بعد هجمات بيروت التي أوقعت ضحايا أبرياء؟!
أجاب الوالد.. (باريس أقرب إلينا ونشترك معها في القيم وأسلوب الحياة).
ردت عليه.. (الناس في لبنان أيضاً لديهم قيمهم ويريدون أن يعيشوا أيضاً.. الغرب هو كل ما يهمكم)
أجاب الوالد (هانس): (لكننا ندعم السوريين فنحتضن آلاف اللاجئين ونضرب تنظيم الدولة).
أجابت الابنة (هنا): (القصف يعني الدمار الجانبي الذي يشمل ضحايا مدنيين لا علاقة لهم بتنظيم الدولة.. لقد ذهبنا إلى أفغانستان للإطاحة بحركة طالبان وإلى العراق للتخلص من صدام حسين ولكن الناس هناك لم يروا سوى جنود غربيين يجوبون شوارعهم فماذا سيكون شعورنا لو وجدنا فجأة جنوداً عراقيين يجوبون شوارعنا)؟!
ومضت الفتاة تجادل والدها وترد على منطقه وتفحمه إلى أن استسلم بعد أن قالت: (الحرب على الإرهاب التي أعلنتها أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ألحقت أضرارًا بأمريكا أكثر من أضرار تلك الهجمات.. بالأرقام فإن الهجمات على برجي التجارة العالمي كلفت نصف مليار دولار في حين أن الحرب على الإرهاب كلفت أمريكا سبعمائة مليار دولار.. كان هناك احتجاز بلا محاكم في غوانتانامو وهجمات بالطائرات على المدنيين وعدم استقرار في العراق هو الذي أدى إلى ميلاد تنظيم الدولة) ثم قالت الفتاة الأوروبية بعد ذلك مخاطبة والدها: علينا أن نتذكر أمراء الحرب في أفغانستان الذين سلحتهم أمريكا ثم خرجوا عن السيطرة وها هم مقاتلو تنظيم الدولة في العراق وسوريا يجوبون الشوارع بسيارات التويوتا التي قدمتها أمريكا للعراق).. انتهى السجال بين الفتاة التي تقيم في ألمانيا حيث تدرس بعيداً عن والدها المقيم في بلجيكا.
ذلك نموذج لعودة الوعي التي تجتاح الأجيال الجديدة من شباب أوروبا الذين بات الكثيرون منهم مقتنعين بأنهم يدفعون ثمن الجرائم التي ارتكبها آباؤهم وأجدادهم في حقهم من خلال الأنانية والجشع والظلم الذي مارسوه ولا يزالون على الشعوب الأخرى التي أخضعت بالحديد والنار لسلطانهم وجبروتهم.
شاهدت شريطاً آخر لشابة أمريكية تخاطب حشداً من الجمهور في بلادها كان يقاطعها بين الفينة والأخرى بالتصفيق بينما كانت هي تصب جام غضبها على الحروب الأمريكية والغربية على المسلمين.
مما قالت تلك الفتاة (إن الشعب الأمريكي لا يجرؤ على أن ينكر على من يخوضون حرباً للمقاومة المشروعة ضد الاحتلال غير المشروع.. إن المسلمين لا يكرهوننا بسبب حريتنا إنما لأننا نمول ونرتكب جرائم ضد الإنسانية لتأمين سيطرتنا على ثروات غرب آسيا) والتي تعني بها ثروات الدول العربية وذكرت تلك الفتاة نماذج من الجرائم التي قالت إن أمريكا وحلفاءها الغربيين قد ارتكبوها في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال وغيرها من الدول الإسلامية.
قرائي الكرام .. ما أعظم أن تأتي الشهادة على الظلم الأمريكي والأوروبي من الشباب الأمريكي والأوروبي.
يأسف المرء أننا نعيش في زمان يجعلنا نشن الحرب على أنفسنا ونتآمر على أوطاننا ونصبح أدوات لتمكين الغرب الصليبي من رقابنا.. هذا هو حال بعض نخبنا بل هو حال بعض حكامنا الذين مهدوا الطريق ودفعوا كلفة الاحتلال الأمريكي لبغداد!
ليت العميل الأمريكي الجلبي الذي مات قبل أيام بعد أن دخل بغداد على ظهر الدبابات الأمريكية مانحاً إياها الشرعية لاحتلال بلاده .. ليته قرأ شهادة أولئك الشباب الغربيين وهم يقذفون بحمم الإدانة على دولهم الاستعمارية قبل أن يوارى الثرى.
عندما كانت الصواريخ والطائرات الأمريكية تدك بغداد كان بعض أمثال الجلبي من نخبنا يلبون دعوة من أمريكا ويتغزلون من خلال كتاباتهم في صحفنا في عظمة أمريكا وفي الديمقراطية الأمريكية والقيم الأمريكية الرفيعة!
مع من ترانا ينبغي أن نخوض معركتنا؟ هل مع أحصنة طروادة من بني جلدتنا تلاميذ الجلبي الذين ينخرون في جدرنا أم مع أمريكا أم مع كليهما؟

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *