منى عبد الفتاح : الإرهاب الإسفيري

أعود إلى تجليات الدبلوماسي الأمريكي المخضرم هنري كيسنجر خاصة إقراره بأنه لا يستطيع تخيل شكل النظام العالمي، في ظل امتلاك مليار شخص لأجهزة هواتف ذكية توفر من المعلومات والقدرات التحليلية ما يفوق قدرة أجهزة استخباراتية لدول قبل جيل واحد فقط. بل في ظل قدرة فرد واحد خارج سلطة أي دولة على التسبب في كوارث كبرى باستخدام كمبيوتر نقال.
وهذا الخطر الذي حذر منه كيسنجر أوان بدايات الزخم التقني تحول إلى سعار الأجهزة الذكية، للنشر والتلقف والترويج لأي من الأفكار مهما كانت فظاعتها، نواجهه الآن مع تسويق الأفكار المتطرفة بواسطة نفس الأجهزة، حتى وصلت إلى ما تمت تسميته بالتجييش الالكتروني.
تمت مناقشة هذه القضية في جامعة الدمام بمنتدى شبكات التواصل الاجتماعي، فيما نقلته هذه الصحيفة الغراء «مكة» في عددها ليوم الخميس 12 نوفمبر. وكان قد تم الاتفاق في المنتدى على ضرورة وضع استراتيجية وطنية متكاملة لحماية الشباب. وفيه أيضا قام المختصون بحصر الآليات التي تتمثل في تبني الخطاب المناسب، وإنشاء حسابات جاذبة في تويتر، وتضافر جهود خبراء الاتصال والتربية والاجتماع وعلم النفس، وهي ما يمكن الاعتماد عليه في مواجهة التجييش الالكتروني، لأكثر من 10 آلاف موقع متطرف تستهدف السعودية، وتروج للفكر الإرهابي والغلو والتطرف الديني. ثم هناك آليات تم التوجيه إليها كوسائل المعالجة التي بلغت 11 وسيلة والتي يتوقع أن تكافح ما يدور داخل الفضاء الالكتروني باعتباره مسرحا لهذا التجييش.
قد نتفق على أن الانترنت بات مهدا لبناء الأفكار والاستقطاب والشحن الذهني، ولكن اختصار وسائل المعالجة التي تتم على أرض الواقع فيه نوع من الخطورة بالانتقال مع هؤلاء المغرضين إلى فضائهم. من يتشبع بفكرة عنف في الفضاء الالكتروني لا يستطيع تنفيذها على نفس الفضاء، ولكنه يترك جواله وجهاز اللابتوب ويذهب إلى أقرب مسجد لينفذ جريمته، ويتم نقل فظاعاته مرة أخرى الكترونيا. إذن هذه الأسافير وعلى خطورتها هي مجرد أوعية ناقلة للأفكار والأحداث وتفاعلاتها سلبا أو إيجابا، ولكن لم تصل إلى مرحلة الفعل المحسوس بعد، هذا الفعل له مسرح آخر هو أرض الواقع.
ولذلك أعتقد أنه لو تم تقديم بندي: المراقبة الأسرية لسلوك الأبناء، وتفعيل دور كل من المسجد والمدرسة، اللذين جاءا في المرتبتين الأخيرتين 10، و11 على التوالي، لجسدنا القناعة التي تقول إن المعالجة ينبغي أن تتم من مسرح الواقع أولا. وذلك لأن الطفل أو الشاب الذي يتربى في الواقع على نبذ العنف بأشكاله المختلفة واحترام الآخر مهما كان اختلافه، ويتم تحفيزه على تجسيد الدين الإسلامي الحنيف في الممارسات والسلوك اليومي كأفعال حقيقية تدعو إلى الخير والعدل والسلام، لن يتجرد من كل ذلك في لمح البصر وبغزو إسفيري مهما كانت قوته.
وبالطبع لن يتلقى ذلك خلال ساعات أو أيام، ولكنه يتم على مدى عمره كبر أم صغر، ومن خلال مؤسستين واقعيتين مؤثرتين بقدر كبير وهما الأسرة والمدرسة. ولا بد أن تزوداه بحصانة كبيرة ومناعة قوية في مواجهة ما يتم بثه في الأسافير.
وهذا لا يعني تهميش الوسائل الأخرى وإنما لا ينبغي التعامل معها كحاضنات لهؤلاء اليُفع. وإن كانت شبكات الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي فرضت نفسها كمؤسسة ثالثة، وأقحمت نفسها في عملية التثقيف، فلا ينبغي الركون إلى فرضية أنها بخيرها وشرها هي البيئة الملائمة لغرس الأفكار. فهي في الحقيقة وسيلة فقط لتمرير الأفكار فإذا وجدت عود الشاب الفكري لينا سيتشبع منها ويتبناها، وإن وجدته صلبا، لا يقبل الاختراق فسوف يرفض وينفر بشكل أوتوماتيكي، ويتحول هو نفسه معولا لهدم هذه الأفكار المتطرفة والعنيفة.
mona.a@makkahnp.com

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *