مقرر أممي يدعو لحوار بين الخرطوم وواشنطن ويؤكد تضرر السودانيين من العقوبات

قال المقرر الأممي الخاص المعني بالآثار السلبية للعقوبات القسرية الأحادية المسلطة على السودان، ،أن الإجراءات الشاملة المفروضة على هذا البلد “لاتتواءم مع تطور الممارسات الأممية الخاصة في هذا المجال”.ودعا من بين حزمة توصيات خرج بها بعد حصيلة اجتماعات امتدت لثمانية أيام مع جهات عديدة في الخرطوم، الى أهمية إجراء حوار بين الحكومة السودانية والإدارة الأميركية، كما حث على تحديد سقف زمني لإنهاء العقوبات التي قال أن الضرر منها وسط قطاعات الطب والصحة تحديدا كان مؤثرا وأسهم في زيادة عدد الوفيات وسط النساء على وجه خاص.

المقرر المعني بدراسة آثار الإجراءات القسرية الآحادية المسلطة على السودان إدريس الجزائري (سودان تربيون)
وقال إدريس الجزائري، في مؤتمر صحفي،عقده الاثنين، بالخرطوم، أن الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، التي التقاها في العاصمة السودانية لدراسة الآثار التي خلفها الحصار الاقتصادي،المفروض من الولايات المتحدة ، أجمعت على ” عدم جدوى الإبقاء على الإجراءات القسرية الأحادية المسلّطة على السودان منذ ما يقارب العقدين من الزمن وألحّوا على ضرورة رفعها أو إعادة النظر فيها”.

وينتظر ان يرفع الجزائري تقريره خلال شهر سبتمبر المقبل لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف،منوها الى أن الغرض من تحركاته هو خلق حراك يؤدي للتغلب على الإجراءات القسرية المفروضة على الشعب السوداني.

وقال أنه يأمل الى حين رفع التقرير في فتح الباب للحوار المثمر، كاشفا عن تلقيه تأكيدات من نائب الرئيس السوداني باستعداد الحكومة لاجراء حوار داخل السودان وخارجه بالتوازي.

وقال “لابد من قبول حوار بين السودان، ودولة المصدر، والامم المتحدة موجودة لتفعيل هذا الحوار، وكذلك المؤسسات الدولية”.

واعتبر مقترحاته التي سيدفع بها في تقريره، يمكن أن تمثل خارطة طريق للبناء عليها في الحوار المشترك..

وشدد على أنه لن تكون هناك آذان صاغية لأي مطالبة بإنهاء العقوبات بين عشية وضحاها، وأن الخطوة بحاجة الى نقاش وحوار وبناء الثقة، مستشهدا بنجاح كل من ايران وكوبا في الوصول الى تسوية رفعت بموجبها عقوبات متطاولة كانت مفروضة على البلدين.

وقطع الجزائري بأن العقوبات موضوع خاضع للتسييس،سيما وأن الاجراءات القسرية لاتتماشى مع القانون الدولي.

وأضاف ” اذا أدت نتائج تلك العقوبات الى ماشهدته في السودان من الام تطال الأبرياء ،فان شرعيتها تحمل علامات استفهام… القانون لايتغلب على الحياة”.

وتجدد واشنطن عقوبات اقتصادية على السودان منذ عام 1997، بعد أن وضعته على قائمة الدول الراعية للإرهاب ، ورفضت شطبه منها بسبب استمرار الحرب في إقليم دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، بجانب وجود قضايا عالقة مع دولة جنوب السودان، على رأسها النزاع على منطقة أبيي.

وأفاد المقرر الأممي، أن مجلس الأمن بات يتفادى العقوبات الشاملة في ضوء آثارها السلبية غير المقصودة على شرائح هامة من المواطنين الأبرياء في البلدان المستهدفة .

وقال أن المجلس أصبح يقتصر على تسليط عقوبات على قطاعات محددة أوعلى أشخاص ذوي الاهتمام.

وتابع “قياسا على ذلك أعتبر أن الإجراءات القسرية الأحادية الموجهة ضد السودان،بكونها شاملة التغطية،لاتتواءم م مع تطور الممارسات الأممية الخاصة في هذا المجال “.

وأشار إلى أن الإجراءات القسرية المطبقة على السودان منذ عقدين لم تتكيف مع التطور المستمر للأوضاع الداخلية، سيما وأن الوضع الذي كان سائدا في 1997 يختلف عن الراهن.

و أضاف “مع ذلك فإنّ هذه الإجراءات لم تتغير حتى بعد إبرام اتفاقية السلام الشامل لسنة 2005 ولا بعد التحسن التدريجي الذي طرأ في مجال الحوكمة ولا بعد الشروع في تنفيذ مبادرة الحوار الوطني. فقد كان تطور العقوبات يتذبذب فقط بحكم تطورات ظرفية”.

ونبه الجزائري الى أن تأثير تلك العقوبات خفّ بعد العام 2000 نتيجة لزيادة موارد الحكومة بعد اكتشاف البترول ، الا أن انعكاساتها اشتدت عقب انفصال الجنوب وفقدان 75 % من إنتاج النفط ،علاوة على انخفاض أسعار البترول .

واسترسل “كما استفحلت أكثر بعد تغريم البنوك الأوروبية الثلاث CréditAgricole/BNP Paris Bas/ CommerzBank من قبل دولة المصدر والذي أدى إلى عولمة حصارها.”

وأشار المقرر الى أن ذات التطور الأخير أدى إلى حصار خانق على الاقتصاد والوضع المالي للسودان منذ 2013 جراء قطع جُل العلاقات المصرفية من الخارج في الوقت الذي كان سير الأمور الداخلي للسودان يتجه نحو التحسُّن وأصبحت الإشارة للإجراءات القسرية عكسية للأهداف المعلنة عنها.

ولفت الى أن “الواقع أثبت أن تلك العقوبات لم تؤثر سلبا على المسؤولين ولا على نخبة ما، إنما أثرت كليا على المواطنين الأبرياء وعلى تعميق التفاوت في توزيع الدخل بين طبقات المجتمع السوداني وبين الأقاليم”.

وأردف ” كما أدى إلى توسيع السوق السوداء وانفلات التحكم بالتحويلات المالية فخرجت هذه الأخيرة من الشبكات المصرفية الرسمية مما شجّع تطوير اقتصاد موازي يتعرض لكل إمكانيات الاستغلال غير الشرعية”.

وأقر الجزائري بأن تأثير الحصار الأحادي على التمتع بحقوق الإنسان في السودان، كان جليا في بعض القطاعات على رأسها الصحة الا أنه نوه الى أن تقييم الآثار السلبية في قطاعات أخرى يمكن ان يكون أصعب لكونها مندمجة مع أسباب ثانية بما يستلزم تصنيف الأسباب العكوف على مزيد من الدراسة والتعمق.

وقال أن الحق في الحياة والصحة يتأثر من عدم قدرة الحصول على قطع الغيار للأجهزة والأدوية المنقذة الحياة وأن السودان بات من الدول القليلة التي يموت فيها المصابون بمرض السكري نظرا لعدم الحصول على الأدوية لأنها “لا تُنتج إلا في دولتين تُشاركان في الحصار”.

وأفاد المقرر الأممي بأن الحق في التنمية يتأثر من عدم قدرة الحصول على قطع الغيار للأجهزة الأساسية مثل القاطرات في السكة الحديدية والطائرات ووسائل النقل الشعبية كما هو الحال في مدينة الخرطوم التي تقلص فيها عدد (الميني بص) من 40 الف في 1999 الى 12 ألف سنة 2014 نتيجة عدم الحصول على قطع الغيار،كما ينطبق ذات الأمر على الجرارات والمضخات وتجميد التحويلات المالية الذي يُعرقل الاستثمارات الأجنبية .

كما نبه الى تأثر قطاعات التعليم ومياه الشرب والحق في العمل ، وتضرر ذوي الإعاقة والمسنين الذين تتأثر حقوقهم جراء منع تحويلات ذويهم المقيمين بالخارج.
وقال أن دراسة الخلل في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتربوية في السودان، الذي يؤثر سلبا على كافة المواطنين من حيث التمتع بحقوق الإنسان يمكن أن يكون له أسباب متعلقة بالاجراءات القسرية الأحادية بالإضافة إلى أسباب داخلية، منوها الى أن الأسباب اداخلية مكلف بها الخبير الأممي لأوضاع حقوق الانسان .

تابع “لهذه الأسباب يحتاج التقييم الشامل للوضع بالسودان الى مسارين متوازيين يتعمقان في الأسباب الداخلية والأسباب الخارجية لتقييم وضعية حقوق الإنسان من أجل استخلاص صورة كاملة لهذا الوضع في البلد”.

وقدم الجزائري 11 توصية أولية بعد وقوفه على الأوضاع في السودان بينها ان تكون الإجراءات الأحادية القسرية المُسلطة على السودان محدودة في المدة وان تتم جدولتها بتواريخ محددة ،تكون مرتبطة بتحقيق أهداف واضحة داخل البلد مع إنشاء جهاز مناسب للمراجعة لتقديم اقتراحات وإعادة تكييف الإجراءات مع تطور الأوضاع.

واوصى أيضا بالعمل من اجل التغلب على المبالغة في تنفيذ الإجراءات القسرية من قبل مؤسسات تجارية أو مالية خاصة متواجدة خارج دولة المصدر- أميركا-.

مقترحا تنظيم ملتقى فني بمبادرة من السودان وبالتعاون مع الهيئات الدولية المعنية (SWIFT …,IMF ,BIS)وحضور مراقبين من دولة المصدر ومشاركة ممثلي المؤسسات المالية والتجارية الخاصة المهتمة. للإسهام في توضيح الرؤى وتحسين التنفيذ.

وأوصى المقرر أيضا بتفعيل الاستثناءات التي اتخذتها دولة المصدر في مجال تجارة الصمغ العربي والإنتاج الفلاحي وبعض الأدوية الحيوية والبرمجيات الخاصة بالاتصال. ورفع القيود لشحنها وللتحويلات المصرفية المتعلقة بها.

كما دعا الى تحرير تحويل وفورات السودانيين في الخارج إلى أسرهم داخل السودان وتحرير تحويل المساعدات من طرف السودانيين لأفراد أسرهم الذين يزاولون دراستهم في الخارج ويكون هذا متمشيا مع قرار دولة المصدر الذي يقضي بشطب السودان من قائمة الدول المراقبة من قبل فريق العامل للنشاط الماليFinancial Action Task Force.

وأضاف ” وإذا تعذر ذلك في الأمد القصير يمكن ايجاد حل بديل يتمثل في إحداث آلية مؤقتة تابعة للأمم المتحدة لضمان التوصيل وتسديد الإمدادات الحيوية في ميدان الصحة والطب ومكافحة الاوبئة وتوفر قطع الغيار والأجهزة الحيوية دون مماطلة أوتأخير بالتوافق مع النظام الأممي ودولة المصدر والسودان.

كما أوصى المقرر الأممي بالنظر في امكانية تحريك الآليات الدولية من اجل إعادة هيكلة الدين الخارجي للسودان الذي قال أنه أصبح لا يُطاق.

وتابع ” ويستطيع ذلك أن يكون بمثابة تعويض رمزي للخسائر التي ألحقتها الاجراءات القسرية الاحادية على السودان عبر عقدين من الزمن والذي تتعدى قيمته مجمل دين السودان الخارجي.”

وقال أنتنسيق الجهود بين دولتي السودان وجنوب السودان سيساهم في تحقيق الهدف المنشود كما أكد ذلك قرار مجلس السلم والأمن الإفريقي رقم539 الصادر حول الحوار وسلام السودان . حيث يؤكد القرار في فقرته 28 على”الدعم الذي أبداه اجتماع الاتحاد الافريقي وإعتماد مجلس السلم والأمن للخطة لمشتركة المقدمة من السودان وجنوب السودان والآلية الافريقية رفيعة المستوى حول الإعفاء الشامل للديون ورفع العقوبات المفروضة على السودان والدعم التنموي لجنوب السودان”.

وخلص المقرر الى أنه حتى تُرفع بصفة نهائية القيود الناتجة عن الإجراءات الأحادية القسرية على السودان فان صوته لابد أن يصبح صوته قويا وموحدا على المستوى الإقليمي والدولي ليُستجاب لمطالبته برفع هذه العقوبات.

ورأى أن تحقيق ذلك ممكن باستمرار الحوار الوطني في السودان “الذي جاء بمبادرة من الحكومة ولا بد أن يكتمل باشراك كل الأحزاب والحركات السودانية الفاعلة دون استثناء بإقامة حوار جدي وبنّاء يُجرى داخل السودان بالذات وذلك في ضوء توجيهات قرار مجلس الأمن والسلم في إفريقيارقم”539.

sudantribune

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *