الطيب مصطفى : يا حسرتاه !!!

فركتُ عيني في اندهاش بين مصدّق ومكذّب عندما قرأت ما هرف به فضيلي جماع في مقال متداول في بعض مواقع الواتساب ذلك أنه من الصعب على من عرف الشاب فضيلي في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي أن يصدق أن ذلك الغثاء النتن قد صدر عنه بعد أن بلغ خريف العمر أو كاد .
لم أنس والله حين وقف شاب غض الإهاب بعد صلاة الفجر في مسجد داخلية البركس بجامعة الخرطوم طالباً من الطلاب المصلين أن يدعوا بالنصر لمحمد علي كلاي الذي كان قبلها قد أعلن إسلامه وكان سيخوض في ذلك اليوم مباراة في الملاكمة مع أحد منافسيه .. سألت عنه فقيل لي إنه الطالب فضيلي جماع وعرفوه لي بأنه شاعر منتمٍ للحركة الإسلامية.
كان مسجد البركس – رد الله غربته – في تلك الأيام منارة سامقة للتربية وحفظ القرآن، وكان فضيلي بالقطع من بين الطلاب الذين تلقوا جرعات من دراسات التلاوة والتجويد الذي كان غريباً وجديداً في مجتمع تلك الأيام قبل أن ينطلق مندفعاً من مسجد البركس بقيادة جعفر ميرغني وحاج نور وغيرهما إلى بقية الداخليات في الجامعات الأخرى والمدارس الثانوية ثم مساجد السودان وحضره وأريافه.
في تلك الأيام لم نكن نعلم ولا نحرص على أن نعلم انتماء فضيلي القبلي ولا غيره من الطلاب كما لم يكن يعلم من جاءوا بعدنا قبيلة داؤود بولاد وهم ينصبونه رئيساً لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم.. يا لهاتيك الأيام النظيفة من عفن أيامنا هذه المعطونة في الإثنية والقبلية الجاهلية.
وتمر الأيام ويلوذ كلٌ إلى قبيلته ونعلم بعد أن تمرد بولاد أنه ينتمي إلى قبيلة الفور وأن فضيلي جماع ينتمي إلى قبيلة المسيرية، ويتسلل الشيطان بين النخب المتعلمة من أبناء قبائل السودان خاصة في دارفور وجنوب كردفان لتلبس ما تنطوي عليه نفوسها من أحقاد عنصرية تجاه قبائل ومكونات اجتماعية أخرى في المجتمع السوداني لبوساً مطلبياً في بعض الأحايين وفكرياً في أخرى ويلعب شيطان الماركسية دوره في إذكاء تلك النعرات ويمسحها بمسوح الصراع الطبقي والإثني والذي تقوم عليه تلك النظرية الشريرة لتذكي مشاعر التنازع والتغابن وتحيلها إلى حروب شعواء يدفع ثمنها البسطاء المشردون في المنافي ومعسكرات الذل بينما تلوذ النخب إلى الفنادق مستمتعة بحضن العواصم الباذخة والفنادق المترفة.
غادر فضيلي جماع البلاد وبقي متجولاً بين العواصم الأوربية وغيرها هائماً على وجهه بين الفنادق والحانات لا يفكر في زيارة الخرطوم ناهيك عن مضارب أهله في أرياف كردفان وهداه تفكيره، على غرار ما درجت عليه النخب الباحثة عن مسوغ لتمردها، لأن يبحث عن شيء يكتبه يبرر به خروجه (النضالي) بعد أن فعل اغترابه الجغرافي والحضاري به فعله فطفق بين الحين والآخر يكتب كلاماً يلوك به عبارات سابقيه من المستلبين الخارجين على لغة وثقافة آبائهم وأمهاتهم ولو بمفردات وعبارات أخرى!
عندما قرأت ما هرف به المسكين فضيلي كان أول ما خطر ببالي ذلك الدعاء الذي أكرره بين الفينة والأخرى (اللهم يا مقلّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك) والذي ارتبط في نفسي بما حدث لعالم نحرير من بني إسرائيل يدعى بلعام بن باعوراء تقول قصته في كتاب ربنا (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)
ما جعلني لا أصدق في البداية أن يكون ذلك المقال من فكر فضيلي لغة بني علمان التي احتشد بها بل أسوأ من ذلك، القالب العنصري الذي صب عليه صباً وخروجه على أي انتماء ديني مع اعتبار ذلك سبة يتبرأ منها ويستحي ويتجافى عنها ويتباعد فعندما بحث عن مرجع يستند عليه لينكر الانتماء الديني مقحماً ذلك بدون أي ارتباط بين ما يكتب عنه وما يستشهد به لم يجد غير نصراني مصري نكرة اسمه غالي شكري ليقتبس من كفره وقوله (لا انفصال بين الارهاب الصهيوني باسم اليهودية والارهاب باسم أي ديانة اخرى والقانون الأكبر هو أنه لا سبيل أمام أي فكر مغلق على التمييز العنصري أو الديني أو اللوني سوى الإرهاب)! – كلام الطير في الباقير – وكأنه يتحدث عن داعش لا عن السودان وواقعه وأزمته السياسية التي لا يدري عنها شيئاً وهو الذي فقد الإحساس، ربما بسبب البعد الجغرافي والشعوري، بما يجري داخل وطنه الذي يتحدث عنه وكأنه يتحدث عن كوكب آخر !
هاجم فضيلي انتماءه القديم ومجّد المرتد الناكر للصلاة المتنبئ بالرسالة الثانية محمود محمد طه الذي كان فضيلي من بين من يشنون الحرب على فكره الضلالي في جامعة الخرطوم وأخذ يدافع عن مناوي وخليل والحلو بكلام يفضح ما يعتمل في نفسه من أحقاد عنصرية تنوء بها الجبال الراسيات.
مسكين فضيلي الذي يتناسى الموت الذي يتخطف الناس آناء الليل وأطراف النهار ويحمل جثامينهم أحياناً إلى داخل الوطن الذي أثخنوه بالجراح وفي أحايين أخرى يقبرون بعيداً في المنافي التي يشنون منها الحرب على وطنهم المأزوم.
لستُ موجوعاً على عبد الواحد ومناوي والحلو وعقار والرويبضة عرمان وغيرهم من التائهين منذ مولدهم أو أيام صباهم إنما على من رضعوا من ثدي الحركة الإسلامية وانحنت أصلابهم على آي القرأن وهو يصوغ حياتهم على معانٍ كبار كنا نظن أنهم سيبشرون بها بين قبائلهم وأهلهم وبني وطنهم لتستقيم الحياة على هدى من الله ورضوان ولكن .. يا حسرتاه.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *