عثمان ميرغني : متى نفهم؟

قبل عدة أيام دعانا السفير البريطاني الجديد (ميشيل أرون) إلى غداء عمل في منزله.. خلال الجلسة طرح سؤالاً بدا لي غريباً للغاية.. قال (إلى أي مدى يحسّ الشعب السوداني بمشكلة تغير المناخ؟).
جاوبته على الفور أنني أعتقد حتى النخبة لا تعير الأمر اهتماماً.. فضلاً عن المستوى الشعبي.. رغم إحساسهم بها أحياناً.
ولفت نظري ذات الأمر خلال زيارتي إلى الهند.. في كثير من اللقاءات تثار- باهتمام- قضية تغير المناخ، وتأثيراته.. واستمعنا إلى كثير من الخطط، التي أعدتها الهند للتعامل مع قضايا تغير المناخ.. وقال رئيس وزراء الهند- في خطابه أمام منتدى الهند وأفريقيا: إن دول العالم الثالث ضحايا ما اقترفته أيدي الدول الكبرى في المناخ.
أمس الأول وصلتنا أخبار مثيرة للدهشة.. نهر القاش الذي كان في أقصى خموله هذا العام.. وبخل حتى بإطلالته الهادرة.. إذا به يغير مواعيده، ويفاجئ كسلا بتدفقه في عز الشتاء.. في شهر ديسمبر!.
والأمر لا يخرج من تفسيرين- إما أن متغيرات السدود الجديدة في الجارة أثيوبيا ستعيد برمجة تدفق الأنهار الموسمية إلى السودان.. أو أن تأثيرات (تغير المناخ) وصلت إلى هذا الحد المربك.
وفي كل الأحوال لن يكون الخوف من هذه التأثيرات بقدر ما الخشية أن نكون نحن غير ملمين أو واعين أو حتى مدركين لهذه التغييرات الكبيرة الخطيرة.. حسابات الأرباح والخسائر.. كيف نجني أقصى ثمار التغييرات، ونحجب شرورها؟.
الذي ألحظه كثيراً في قضايا المياه- هنا- في السودان.. أن الأمر ليس في كنف مراكز دراسات بحثية متخصصة.. كل الذي بين أيدينا هو اجتهاد أفراد ينفقون وقتاً كبيراً من عمرهم؛ لتقديم ونشر دراسات عسى ولعل تساعد السودان في تلمس طرقه وخيارته في قضايا المياه.. مثلاً الدكتور سلمان محمد سلمان.. والدكتور أحمد المفتي.. والمهندس كمال علي وزير الري الأسبق، وأخرون أرجو أن لا يعتبوا عليّ إن لم تسعفني بهم ذكراتي لحظة كتابة هذه السطور.
لدينا خمسون جامعة.. وعشرات مراكز البحوث التي لا تبحث.. وعشرات مراكز الدراسات التي لا تدرس.. فلماذا نظل كالأعمى يتلمس طريقه بلا بصر ولا بصيرة؟.. قضية (تغير المناخ)- خاصة في الجانب المرتبط بالمياه والزراعة- لم تعدّ (فضل ظهر) نلتمسها عند دول آخرى من باب التسول العلمي.. هي قضية مفصلية وحتمية ومصيرية لبلد مثل السودان عماد وقوام وجوده يعتمد على النبات والحيوان والماء.
ما الذي ينقصنا؟.. المال.. لا والله العظيم.. نحن نهدر أموالنا في كثير من المشروعات الفاشلة (مثل مشروع الحوار الوطني).. هل ينقصنا العلماء والخبراء؟.. لا والله العظيم؛ نحن نصدِّر علماءنا وخبراءنا إلى كل العالم.
كل الذي ينقصنا.. هو (الفَهَّم).. و(الفهم قِسّم)!.
فـ(متى نفهم؟).

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *