لماذا لم تضع (إسرائيل) دستورا لها حتى الآن؟

لماذا لم تضع (إسرائيل) دستورا لها حتى الآن؟

بعد صدور قرار تقسيم دولة فلسطين، وتشكيل الحركة الصهيونية 1947، ثم حدوث نكبة 1948، واغتصاب إسرائيل رسميًا لأرض فلسطين وقيامها في فترة قصيرة بعد ذلك بتأسيس نظامٍ سياسي ومؤسسات عسكرية ومحاكم قضائية، إلا أن إسرائيل لا يوجد بها دستور حتى الآن، وعلى الرغم من إعلان إسرائيل دائمًا بأنها النموذج الأفضل لتطبيق الديمقراطية إلا أن لديها تخوفًا شديدًا من وضع دستور لها.

قصة الدستور

على الرغم من أن وثيقة الاستقلال، أكدت على إقامة دستور لإسرائيل، وكان يجب على المجلس التأسيسي في إسرائيل الإسراع في إعداد هذا الدستور في الأول من أكتوبر لعام 1948، لكن حدث تأخير من جانب المجلس التأسيسي لإعداد الدستور، وقد ظهرت بعض الأقلية في إسرائيل تعترض على البند الخاص بوثيقة الاستقلال بشأن وضع دستور لإسرائيل لسببين؛ “السبب الأول: أن إسرائيل لم تقم بقرار من هيئة الأمم المتحدة، بل قامت نتيجة لحرب خاضتها. والسبب الثاني: أن وثيقة الاستقلال غير ملزمة قانونيًا، لأنها لم تصدر عن الكنيست، وهي أكثر تصريح وإعلان للجميع بقيام إسرائيل”.

بالإضافة إلى وجود انقسام أيضًا بين الأحزاب والقيادات السياسية في إسرائيل، حيث رأى فريق أن الدستور يجب أن يوضع على أساس ديني، والفريق الآخر رأى وضع الدستور على أساس علماني، ولحسم هذا الخلاف قرر الكنيست في عام 1950 الموافقة على ” قانون هراري”، وقد سمي هذا القانون بهذا الاسم نسبة إلى العضو الذي وضع هذا القانون وهو يزهارهراري، وقد كان هذا الدستور “مؤلفًا من فصول متتابعة يشكل كل واحد منها قانونا- أساسا ويتم عرض هذه الفصول على بساط البحث في الكنيست وإذا انتهت اللجنة من عملها تتوحد جميع الفصول لتكوّن معا دستورًا لإسرائيل”.

وقد جاء بعد ذلك في وثيقة الاستقلال أن المجلس التأسيسي قام بالفعل بوضع دستور لإسرائيل، لكن هذا الدستور ليس دستورًا مكتوبًا أو دستورًا بالمعنى الرسمي، على الرغم من أن لإسرائيل دستورًا بالمعنى المادي، يسمى “بقوانين الأساس” وهي قوانين بديلة للدستور من أجل تحديد أسس الحكم والحقوق الشخصية، وهذه القوانين لا يجوز تغييرها أو إبطالها في “الكنيست الإسرائيلي” البرلمان، إلا بأغلبية على الرغم من أنها لم تصل إلى درجة دستور للدولة، وعلى الرغم من ذلك هناك خوف شديد من زعماء إسرائيل من هذه القوانين، في أن تصبح دستورًا دائمًا لإسرائيل بعد ذلك.

كان هناك فريق يرى أن تصبح وثيقة الاستقلال دستورًا لإسرائيل؛ لاحتوائها على الأسس الخاصة بإقامة الدولة، لكن المحكمة العليا رفضت ذلك، وقالت أن وثيقة الاستقلال لا تعد دستورًا لإسرائيل، لأنها ليس لها أهمية دستورية أو قضائية، ولا يجوز الاستناد إليها في المحاكم.

وجدت بعض الحركات السياسية من رجال قانون وأساتذة جامعات بعد ذلك من أجل وضع دستور لإسرائيل، لكن هذه الحركات لم تأتِ بنتيجة.

أسباب عدم وضع دستور لإسرائيل

يوجد أسباب كثيرة لعدم وجود دستور في إسرائيل، لكن هنا سنعرض بعض الأسباب المهمة التي بسببها ترفض إسرائيل وضع دستور لها منذ نكبة 1948.

1- تحديد ملكية الأراضي

بعد نكبة 1948، وظهور إسرائيل على الساحة، كان يجب أن يكون هناك دستور، لكن رئيس الوزراء في ذلك الوقت دافيد بن غوريون رفض وجود دستور لإسرائيل، والسبب يعود إلى أنه في حالة وجود الدستور سيضطر لأن يرسم الأملاك، وخاصة ملكية الأرض، ولأن أغلبية الأراضي قبل عام 1948، كانت باسم الفلسطينيين فستعود هذه الأراضي للفلسطينيين مرة أخرى في حالة وجود دستور.

2- تهديد حلم الكيان الصهيوني من الفرات إلى النيل

في حالة وجود دستور سيؤدي ذلك إلى تحديد حدود الكيان الصهيوني، ومن ثم ينتهي حلم أن تكون حدود إسرائيل من الفرات إلى النيل، وهذا ما جعل رئيس وزراء إسرائيل دافيد بن غوريون بعد نكبة 1948 يرفض وبشدة وضع دستور؛ خوفًا من عدم تحقيق حلم التوسع للكيان الصهيوني. بالإضافة إلى ما ذكره رئيس وزراء إسرائيل الحالي بينامين نتنياهو في كتابه مكان تحت الشمس، بأن حق اليهود ليس حدود فلسطين فقط بل يتجاوز أكثر من ذلك ليصل إلى أراضٍ أخرى موجودة في الدول العربية، ويرى أن هذه الأراضي قد أخذت عنوة من اليهود ويرى أيضًا أن الأردن جزء من هذه الأراضي، هذا بالإضافة إلى أن المخطوطات المحفوظة في قاعة هرتزل في الكنيست توضح أن حدود إسرائيل لا تشمل الأردن فقط بل تشمل أيضًا الأراضيَ التي تقع ما بين النهرين وما بين خيبر في السعودية وحلب في سوريا .

وفي تصريح إلى أحد القادة العسكريين في إسرائيل عندما سُئِل عن حدود إسرائيل فكان الرد “حدود دولتنا تصل حيث دباباتنا وأقدام جنودنا”، وهذا رد واضح على أن حلم حدود الكيان الصهيوني لن يقف على حدود دولة فلسطين فقط، بل يمتد إلى أكثر من ذلك.

3- القوانين المقيدة لحقوق الفلسطينيين

وضع دستور سيجعل إسرائيل مجبرة بأن تعترف بحقوق الفلسطينيين، والمساواة بينهم دون النظر إلى الدين أو العرق كما هو موجود في قرار التقسيم ، بجانب أن الدستور سيلزم إسرائيل بأن تلغي كل القوانين غير الدستورية، التي وضعتها بشأن إقصاء الفلسطينيين من أراضيهم، خاصة أن هدف الكيان الصهيوني هو إلغاء وجود السكان الأصليين وهم الفلسطينيون، هذا بالإضافة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يتبع سياسات خاصة تعمل على مصادرة الحقوق العامة، وخاصة الحقوق السياسية بهدف التخلص وترحيل الفلسطينيين عن فلسطين نهائيًا. وعلى الرغم من أن إسرائيل تؤكد دائمًا بأنها الوحيدة في المنطقة التي تطبق الديمقراطية، إلا أنها لا تريد وضع دستور، حتى لا تلغي القوانين الدستورية التي وضعتها للحد من الحرية والمساواة للفلسطينيين.

4- رفض المؤسسة العسكرية في إسرائيل

للمؤسسة العسكرية دورٌ هام في الحياة السياسية في إسرائيل، حيث تقوم بالإشراف والمتابعة على سياسة إسرائيل، وفي حالة وضع دستور سيعمل على تحديد تدخل المؤسسة العسكرية، وهذا شيء ترفضه المؤسسة لأنه سيعمل على تحديد وتقييد نفوذها داخل إسرائيل.

5- عودة اليهود وتوطينهم في فلسطين

كان رفض رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون وضع دستور لإسرائيل لأن هذه الأرض أرض يهودية، ولا يجوز وضع دستور لها إلا بعد استكمال الشروط لقيام إسرائيل، وبعد عودة كل يهود العالم أو بعض منهم للإقامة في إسرائيل، وهذا ما حدث بالفعل بعد نكبة فلسطين 1948 بترحيل يهود العالم وعلى وجه الخصوص الفقراء منهم مثل يهود الاتحاد السوفيتي “روسيا حاليًا” ويهود الفلاشا وهو لقب يطلق على اليهود من أصل أثيوبي، والذي ثبت بعد ذلك أنهم ليسوا يهودًا. ولا تزال عمليات تهجير يهود العالم إلى فلسطين موجودة.

6- الانقسام داخل المجتمع السياسي حول أساس التشريع

عند انتخاب الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، كانت هناك مشكلة كبيرة وهي انقسام المجتمع السياسي إلى قسمين؛ قسم يضع التوراة أساسًا للتشريع اليهودي، ويحكم إسرائيل مجلس من الحاخاميين ويطبق الشريعة اليهودية، والقسم الثاني يدعو إلى بناء الدولة على أساس علماني وقد انقسم أصحاب هذا الرأي إلى قسمين؛ قسم يميني يرى أن تقوم إسرائيل على أساس النظام الرأسمالي الغربي، والقسم اليساري يرى بناء إسرائيل على النظم الاشتراكية، وبسبب هذه الاختلافات قرر دافيد بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل تأجيل وضع دستور لإسرائيل.

لكن السبب الرئيس وراء عدم وضع دستور هو التنكر لكل الشعارات التي نادت بها الصهيونية مثل “إسرائيل شعب الله المختار”، وأن أرض فلسطين أرض لليهود فقط، وهذه الشعارات التي تنادي بها الصهيونية تؤكد على أن إسرائيل لا تستطيع ترك عنصريتها، وفي حالة وجود دستور بقيم العلمانية سيتناقض مع شعارات الكيان، ويعني ذلك انتهاء أهداف الكيان الصهيوني، وهذا ما ترفض إسرائيل.

7- إشكالية تحديد هوية الدولة

من أكثر الأسباب أهمية والتى تجعل إسرائيل تمتنع عن وضع دستور حتى الآن، هو كيف سيتم تحديد هوية “إسرائيل” والصهيونية واليهودية في الدستور، وكيف سيكون تعريف اليهودي في الدستور؟ وهنا تجد إسرائيل نفسها أمام مشكلة كبرى، خاصة أن الحديث عن تحديد الهويات في إسرائيل سيجعلها في مشاكل وعقبات دولية هي لا تريدها، ولذلك جعلت “قوانين الأساس” بديلاً للدستور.

المصري لايت

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *