كيف مات الأزهري؟!!..

كيف مات الأزهري؟!!..

ونحن نستشرف ذكرى استقلال السودان، يكون حاضراً في أذهاننا الزعيم الوطني (الشهيد) إسماعيل الأزهري، الذي اكتنف وفاته غموض غريب، ولعل بعض الأسرار إلى تاريخه لم تكتشف بعد. ومثله كبقية الزعماء الوطنيين المناضلين، دائماً ما تحاك ضدهم المؤامرات، ويتم التخلص منهم بطريقة دراماتيكية. وكمثال لذلك الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي صدر بيان أنه توفي بأزمة قلبية، ولكن الفريق رفاعي كامل نفى ذلك، وكان قد تردد أنه مات مسموماً، ولكنه رجح سبب الوفاه لخطأ طبي.
> وها هو «أبو عمار» الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مات مسموماً بمادة البولونيوم «210» شديدة الإشعاع، بعد أن صاحبت وفاته ملابسات عويصة.
> أما زعيمنا الأزهري، فبدأ السيناريو معه منذ عودته من آخر رحلة قام بها إلى زائير في 32 مايو 9691م، وكيف أمضى ليلة 42 مايو حيث كان قد حرص بعد عودته من رحلته تلك، على حمل كل أوراقه الخاصة به من خزينة القصر، كما أودعها أية ورقة أو مكاتبات رسمية. ثم كيف تصرف صباح 52 مايو والدبابات تحيط بمنزله وحظر الخروج منه والدخول إليه، مع نبأ أنه تحت الاعتقال التحفظي بواسطة ضابط شاب كان متأثراً لذلك والأزهري يخفف عنه، بعدها عكف على تلاوة القرآن، ثم مراجعة خرائط السودان مدققاً على الحدود مع دول الجوار، والاطلاع على معلومات تتعلق بالثروة المعدنية والحيوانية في السودان. لله درك يا زعيم! وأنت في تلك الظروف العصيبة، لا تهمك نفسك، بل أمر السودان.
> بعدها نُقل الزعيم إلى سجن كوبر ووضع في غرفة مجاورة لصديقه خضر حمد، والتي ظل فيها، وفي أحد الأيام ذكر لخضر أنه يحس بانقباض غير عادي، بعدها نُقل إليه خبر وفاة شقيقه الوحيد علي الأزهري، حيث سُمح له بالخروج لتشييعه، عاد بعدها إلى منزله لتلقي العزاء من الوفود والمواكب التي تقاطرت من شتى البقاع، وكان الزعيم يقف للمعزين مصافحاً ومحيياً كل واحد باسمه.
> وفي أثناء جلوسه في الصالون، لاحظ الموجودون إزاحته للكرافتة التي كان دوماً يحرص على إحكامها، وقد بدا عليه الإعياء والإرهاق، فاستأذن الحضور ودخل غرفته فهرعت نحوه أسرته، فاسترخى على السرير وطلب فتح النوافذ، وكان يردد «إني بحاجة إلى هواء بارد وماء بارد»، عندها استدعوا له الدكتور صديق أحمد إسماعيل، الذي طلب نقله إلى مستشفى الخرطوم الجنوبي. وضع في المستشفى في خيمة الأوكسجين وبدأ الأطباء يتناوبون على رعايته، وحالته تتأرجح بين التحسن والتراجع إثر النوبة القلبية التي ألمت به، وكانت الأسرة قد طلبت نقله إلى لندن أو إحضار أطباء من القاهرة ليعاونوا الأطباء السودانيين، ولكن طلبهم قوبل بالرفض.
> وفي عصر الثلاثاء 72 أغسطس حدثت له نوبة حادة بعد نفاد أنبوبة الأوكسجين، وأحضرت أخرى اتضح أنها فارغة. والأطباء حوله يراقبون حالته، لاحظوا أنه رفع إصبعه دلالة على أنه ينطق بالشهادة، بعدها استرخت يده وهدأ نفسه وأغمض عينيه وقد أسلم الروح إلى بارئها، وبدا الأطباء في قمة حزنهم وغطوا الجثمان.
> لحظة الفاجعة.. صرخت الأسرة وانطلقت المستشفى من كل حجرة وعنبر وشرفة في صرخات داوية تردد صداها الحوائط، تحمل في طياتها لوعة الفاجعة، ثم انطلق الخبر كالقذيفة إلى الشوارع والميادين، وفي لحظات عرفت كل المدينة بوفاة الأزهري.
> رغم الحرص الشديد على نقل الجثمان على وجه السرعة بسيارة إسعاف إلى المنزل، إلا أن المستشفى بأكملها تبعته وتدافع المواطنون سيراً على الأقدام، وتقاطرت الجموع بالسيارات والبصات صوب أم درمان، وكانت لحظة أشبه بقنبلة انفجرت فتطايرت شظاياها وشررها في وجه النظام الجديد الحاكم، وتحولت الهتافات من «الله أكبر» إلى هتافات عدائية ضد النظام، حتى اضطر رجال البوليس للانسحاب، وفي تلك الأثناء كانت طائرة الهيلوكبتر التي تحمل اللواء جعفر نميري والرائد أبو القاسم تطوف فوق الجموع، تعلو أحياناً وتنخفض ليبلغها صدى الهتافات في دلالة على قلقهم البالغ من ذلك المشهد الرهيب.
> أثناء هدير المواكب خلف الجثمان، قد حدث موقف مؤثر للغاية، إذ شوهد رجل يحمله شباب على (عنقريب) وسط تلك الجموع كما الجثمان، ولكن كان ذلك رجل مريض كان يلزم السرير الأبيض بالمستشفى، وعندها سمع بنبأ وفاة الزعيم الأزهري أصر على أبنائه بأن يحملوه على السرير ليشهد التشييع. وعندما قالوا له الزحام شديد ويخشون على حياته، أجابهم فإن مت فإن فقدي هين، ولكن فقد الأزهري فقد أمة.
> لقد رحل الزعيم الأزهري، ولكن ما شاهده المسؤولون من حب الجماهير له وتفاعلهم مع حدث وفاته، جعلهم يفكرون في كيف يعلنون خبر وفاته عبر الأجهزة الرسمية، والغريب بعد تشاور، كان هناك رأي بأن تذاع الوفاة ضمن أخبار الأموات في نشرة الأخبار، وقد حدث ذلك فأذيع في أخبار الخامسة ضمن الأموات بأنه «توفي إسماعيل الأزهري المعلم السابق»، بصفته القديمة معلم وليس بصفته رئيس وزراء ورئيس دولة، بعد أن تجاهلوا النشرة الرئيسة عند الثالثة.
> نعم.. أسدل الستار على حياة رجل أمة سجل مواقف وبطولات في تاريخ السودان، وستظل شاهدة له مدى الحياة عبر الأجيال.
وخزة أخيرة:
> الآن.. نتساءل كيف مات الأزهري؟.. مستصحبين قرائن الأحوال التي بدأت من وضعه بالسجن في غرفة ضيقة لا تليق به ناهيك كونه رئيس دولة، ولكن لكبر سنه، وأنها كما وصفها د.وصفي ضيقة وتشكل ضغوطاً نفسية خانقة، ثم مروراً بتعمد استبدال أنبوبة الأوكسجين النافدة، بأخرى فارغة، وأخيراً إذاعة نبأ الوفاة بصفة المعلم وليس رئيس الوزراء.. وصاحب العقل يميز!!
> المرجع: كتاب (كيف مات الأزهري) للكاتب محمد سعيد محمد الحسن..

حمَّاد حمد محمد
الانتباهة

حمَّاد حمد محمد
الانتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *