حسين خوجلي : الرسائل الممطرة لا يصيبها البلل ولا الجفاف

حسين خوجلي : الرسائل الممطرة لا يصيبها البلل ولا الجفاف

السودان به مليون ميل مربع يضربها (الخلاء) والفراغ. ورغم هذا فليحدث أحدكم نفسه يوماً باستثمار زراعي أو صناعي كبير.. غداً ستخرج عليه سكاكين الوثائق التي تثبت بأن هذه الأفدنة الملايين المضاعة، ممهورة بختم الدولة السنارية.. وموقع عليها بادي أبو شلوخ شخصياً ووافق عليها ود حلمي بك في التركية السابقة.. وجددها الراحل محمود الفضلي ما بعد السودنة.
نعم في حصص الجغرافيا السودان به مليون ميل مربع ولكن في حقيقة دولة بني حيازان التملكي، ليس به سوى مليون وثيقة حكي زائفة تنتظر يوم الاحتلال العالمي، حين تصبح أحقية الماء والأرض والمطر حقاً بقرار من الأمم المتحدة، بالسماح للجائعين باستغلال بلاد المتنطعين..

حكى لي أحد الأصدقاء أن أحد معجبي وردي المثقفين بالسكن العشوائي انتظر السيل والأمطار حتى قضت على بيته الصغير فودعه دامعاً بمقطع المستشار جيلي عبد المنعم:
ووداعاً للذي شيدته بين الضلوع

فتداعى

ووداعاً..

وفي كل جمعة عبر الرسائل الوسيمة يكتب الفاروق حادثاً أو حديثاً أو عبرة أو اعتباراً. وتتوالى الحكايات الطوالع.
كان الفاروق يطوف بالمدينة ليلاً.. فنظر من خلال الباب، فإذا بشيخ يشرب خمراً.. فصعد الى جدار البيت ونزل منه. وداهم الشيخ بحضوره الشديد والمهيب، فقال الشيخ العاصي الفقيه:

يا أمير المؤمنين

أنا عصيت الله في واحدة وانت في ثلاث.. قال الله تعالى ولا تجسسوا وانت تجسست علينا.. وقال تعالى وآتوا البيوت من أبوابها وأنت تسورت علينا الدار، وقال تعالى ولا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، وأنت لم تفعل ذلك.. صمت عمر وانسحب في يسر وعفا عنه. وظل يتمتم وهو يبكي (ويل لعمر ان لم يغفر الله له).

وكان عالم القانون المصري والفقيه المستشار السنهوري عليه الرحمة يقول فيها (لم أدر لمن أتعجب لفقه هذا المذنب أم لتقوى هذا الخليفة).

وعبر علم الشعب وتقوى الأمراء بلغ الاذلاء والقلة من العرب مراقي الصولجان عند الفرس والروم ودقّوا أبواب فرنسا.

نعم إن للقلوب رسائل لا يقرأها إلا إحساس الأحبة.. وللنفوس حديث لا تسمعه إلا في دعاء الصالحين.
أسأل الله أن يرزق أهل بلادنا الصابرين على الحزن والمؤامرة، فرحاً ما بعده حزن، وسعادة ما بعدها شقاء.. ورزقاً ما بعده حاجة.. وأن يحقق أمانها وسلامها، وأن يجعل القرآن نورها الذي يسعى بين يديها من خلفها ومن قدامها حتى تلقى اليقين.

كان الاسلاميون يصدرون لياليهم حين يجتمعون بالبيت الشهير:
هم الاخوان

ان غابوا وان حضروا

وليس أحد عن الاخوان يغنيني

فلا مكان اذا ما غبت يبعدني

ولا زمان اذا ما طال ينسيني

أعزائي إن (المتن) باقٍ إلا أن الشروح تحتاج لتأويل.

الأخ اللواء الشاعر عوض أحمد خليفة.. أبشرك بأن الباشمهندس محمد ابن الراحل الشاعر الحسين الحسن عبر بالشعر الى الخطوبة (وفات مسافات الغنا) حتى اقترب من (صدقيني)، ولأن الزول بونسو غرضو.. فما رأيك ايها العجوز المضمخ بعذابات الشباب في قوله، وما رأي عثمان حسين:

رغم إنك كنت ساهية وكنت لاهية

ولا بتسألي ولا بهمك

ورغم إنك

ما أكترثني ولا شفقني على خطاي

التايهة منك

إلا إني

كنت بحلم ابني ليك جواي مداين

من محنة

وكنت قايل وردة وردة وشتلة

شتلة.. الجنينة بتبقى جنة

ورغم إني

كنت شايل قلبي في إيدي هدية

وكم سعيت جواي تمني

شان أخت جواك شويه

من أمان أشواقي مني

شان أحاول جوة قلبك

أرمي بذرة ريد حفية

بذرة أرويها وتفرهد

حاجة مني

فيها روحي وكل عمري وكل فني

إلا إني

بس لقيت منك صدودك والتجني

وصدقيني ما بلومك والمشاعر

ما اتلفت عندك أليا

وما بعاتبك

ما بأيدك جارت الأيام عليا

وكلمة مني أخيرة لينا

وكلمة مني أخيرة ليكي

رغم إنك كنت ساهية وكنت لاهية

لا بتسألي لا بهمك.. لا عليكي ولا علينا

إلا انك كنت راقية وكنت رايقة

وكنت مسك الناس حقيقة

وكنت للأنفاس صديقة

بس لأنك نافرة ريانة وحديقة

وإنك أحييتي المعارف في صحاري

الروح وضيقه

بشكرك جد يا أنيقة

مبروك يا باشمهندس على هذا الشعر الأنيق، والعرس القادم الأشد أناقة ويا شعراء الأغنية من أبو صلاح حتى السر دوليب امسكوا الخشب.!!

وأخيراً جداً أما آن لوريث أبو عفان صاحب الصوت الشجي أن يمسك العود وفاء للحسين الحسن وقافلة الوعد والبشارة من النهود حتى قرية مساوي، حيث خطوات الحسيب النسيب الأولى.. والعلاقة ما بين قبر الحسين وسيد الضريح شهيرة عند العارفين.

شكراً أخي الأصغر النذير ابن شندي الباذخ المحاولات.. وصلتني البرقية في أول يوم وأنا بالخرطوم الموسومة بقولك:
طلع القمر خلى المعالم ظاهرة

وقوافي القول أمست عصية ونافرة

النشف مدادا وخلاها شبه مشاترة

سفر المنجرح لي مدينة القاهرة

أخي النذير السر الصحفي القادم في شجاعة ووسامة نحن أقل مقاماً ولكن (من أحب الشيء حابى) وقد أسعدتني مفردة (المنجرح) بكل ما فيها من معارف داخل خزينة الوجع السوداني الجواني.

أما الأخ الصحفي الكاتب مكي المغربي من لدن الوطن الصغير والكبير فقد أغرانا بعنوان يحرّض على المقال حين قال (كيف حال العائد من بلاد البيضان الى بلاد السودان)؟!
السودان بخير مادام أولاد نمرة اتنين اصبحوا يقولونها سودانية فصيحة:
إنت جريعة النحل البهتّف سوفو

وإنت مسيكة الخولي اللذيذ في كرفو

الماسكني من تالاكي الله يصرفو

الزول باقي مرضو الداير يكتلو بعرفو

أخي الصحفي الشهيد أيها الحي في زمان الموتى، ولأني أعرف ما يسعدك حقاً في مراقيك لصلة قديمة صنعتها صوف الليالي وتقلبات الأيام، فهأنذا أمارس الصمت في أزمنة اللجاج.. ويمضي العام أيها الروح المداد والنفس القلم.
وأخيراً جداً المقام للشعر الهتاف:
ليس هذا وطني الكبير..

يا وطني:

يا أيها الضائع في الزمان والمكان،

والباحث في منازل العربان..

عن سقفٍ، وعن سرير

لقد كبرنا.. واكتشفنا لعبة التزوير

فالوطن المن أجله مات صلاح الدين

يأكله الجائع في سهولة

كعلبة السردين..

والوطن المن أجله قد غنت الخيول في حطين

يبلعه الإنسان في سهولةٍ..

كقرص أسبرين!!..

* أين أنت؟ سؤال سيبلغ كل الذين توقفوا عن الاضافة خوفاً أو قهراً أو يأساً أو حزناً أو تواضعاً مملاً في مسرح اللامعقول والألعاب النارية.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *