السودان وإيران.. مرحلة إعادة «ربطة العنق» العربي

أعدها:
المثنى عبد القادر

بعد إعلان وزير الخارجية البروفسيور إبراهيم غندور قطع البلاد علاقاتها الدبلوماسية مع إيران على خلفية التدخلات الإيرانية في المنطقة على أسس طائفية واعتداءاتها على سفارة وقنصلية السعودية في طهران، تكون الخرطوم اوصدت الباب على العلاقات السودانية الايرانية بالكامل، وأكدت تضمانها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي لوقف ما سماها وزير الخارجية مواجهة الإرهاب وتنفيذ الإجراءات الرادعة له، يشار إلى أن وكالة الانباء السعودية «واس» ذكرت أن مدير عام مكتب رئيس الجمهورية وزير الدولة الفريق طه عثمان، قد أبلغ ولي ولي العهد السعودي هاتفياً أن الخرطوم قررت طرد السفير الإيراني ومعه كامل البعثة الدبلوماسية، إضافة إلى استدعاء السفير السوداني من إيران، في موقف يدين تدخلات طهران في المنطقة وإهمالها حماية السفارة والقنصلية السعوديتين في إيران، وفي ما يلي تفاصيل الاحداث الداخلية والدولية المرتبطة بتداعيات القضية أمس.

خلفيات مهمة
في الثاني من سبتمبر 2014م، أصدرت وزارة الخارجية بالخرطوم بياناً أعلنت فيه إغلاق المركز الثقافي الإيراني وفروعه المنتشرة في السودان، مع إمهال الملحق الثقافي الإيراني ومعاونيه مدة «72» ساعة لمغادرة البلاد، ولعل تاريخ العلاقات السودانية الايرانية قد بدأ في عام 1974م عندما افتتح السودان سفارته في طهران، في ظل تلاقي النظامين إيران الشاه، والرئيس الراحل جعفر نميري انذاك، حيث كان الاثنان ضمن المعسكر الأمريكي، غير أن العلاقات بين الدولتين انحسرت إثر الثورة الإيرانية عام 1979م، وتأييد السودان للعراق في حربه ضد إيران، كما انه ثم أخذ منحنى العلاقة في التصاعد في عهد الصادق المهدي، ليصل لمستوى التحالف الاستراتيجي، وعند وصول الانقاذ للحكم في عام 1989م وجدت الحكومة تلك العلاقات ممهدة سلفاً بين الخرطوم وطهران، بالاضافة إلى أن حالة العزلة الدولية والعقوبات التى واجهتها الخرطوم جعلت منها لقمة سائغة امام ذلك التحالف الايراني، أما الحديث عن التقارب بين الدولتين فقد كان بسبب عوامل اغلبها غير حقيقي، فمثلاً لم يكن هناك توجه إسلامي مشترك بين الجانبين، بدليل ان الجانب السوداني سني بينما الجانب الايراني شيعي، لكن العامل الحقيقي الذي فرض على السودان آنذاك التعامل مع ايران يتمثل في الاستهداف الخارجي المتمثل في الضغوط الأمريكية والاوربية، فضلاً عن أن ايران ترى السودان يمثل مدخلاً للدائرة العربية والإفريقية، وكانت تشير دائما إلى أن السودان هو بوابة تصدير الثورة، إذ وصف وزير الدفاع الإيراني السابق، مصطفى محمد نجار، السودان بأنه حجر الزاوية في الاستراتيجية الإيرانية بالقارة الإفريقية، أما السودان المجابه بالضغوط الدولية والحرب الاهلية كان يرى في ايران قشة نجاة بعد تباعد الدول العربية والاسلامية عنه في ظل العزلة الامريكية عليه للخروج منها بأخف الاضرار، في وقت كانت الخرطوم تشهد فيه حصاراً سياسياً واقتصادياً، بعد إدراجها ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، واستهداف المحكمة الجنائية للسودان في عام 2009م، لذا سعت الخرطوم للاستفادة من الخبرات الإيرانية، بدلاً من التقيد باستخدام السلاح الروسي، فضلاً عن طموحها في الاستفادة من الدعم الإيراني في تخفيف وطأة الديون الخارجية التي تجاوزت «45» مليار دولار، لكن لاحقاً اصبحت الديون الإيرانية على السودان أكبر عقبة تستغلها طهران في محاولة منها الضغط على الخرطوم لتحقيق مكاسبها بالمنطقة، لكن التحولات المفاجئة التى دعت الخرطوم لتغيير موقفها من ايران كان ابرزها الدور الايراني المستهدف لدول الخليج العربي الذي اعلن عنه وزير الخارجية السابق علي احمد كرتي في مايو2014م، عن رفض الخرطوم عرضاً إيرانياً بإنشاء منصة دفاع جوى على ساحل البحر الأحمر، هذا غير التدخلات في الشؤون الداخلية السودانية بواسطة المراكز الثقافية الايرانية التى اقيمت في عهد زعيم حزب الامة القومي الامام السابق الصادق المهدي منذ عام 1988م التى تبلغ «26» مركزاً وكانت مهدداً حقيقياً للأمن الفكري والاجتماعي، ولعل حادثة اعدام الشيعي المعارض السعودي «نمر باقر النمر» لو طبقت بالسودان لكانت ايران فعلت ما فعلت بالخرطوم، لذا فإن طرد الخرطوم للحسينيات واغلاق المراكز كان قراراً سليماً، خاصة أن المجتمع السوداني مجتمع سني متسامح، لا يرضى بالغزو المذهبي أو مدارس فكرية تحاول تغيير روح المزاج السوداني وتعكير صفوه، هذا غير التأثير المباشر لتلك المراكز على الأمن القومي السوداني.
تأثيرات القرار السوداني
بالنسبة لتوقيت صدور القرار فهو يمثل خطوة مهمة لدعم التحالف الاستراتيجي السوداني مع دول الخليج العربي ككل، كما أنه يعيد السودان لمحيطه العربي السني في جانب تأثيره الاقليمي، أما عن التأثير الداخلي فإنه يتمثل في ردود الأفعال إزاء القرار، فقد لقي القرار ارتياحاً كبيراً لدى الأوساط الشعبية المختلفة. ومرد ذلك لأن السودان سوف يتمكن بذلك من التفرغ لإعادة ترتيب البيت من الداخل، وتصحيح مسار العلاقات التي تجمع السودان تاريخياً بمحيطه العربي، لتكون أكثر نفعاً وجدوى، بدعوى أن الواقع أثبت عدم جدوى علاقات السودان بإيران، وذلك لضعف العائد منها رغم ان قرار قطع العلاقات كان مسألة وقت منذ انضمام السودان لدول عاصفة الحزم، بل إن الرأي العام السوداني في معظمه يرى في إيران مصدراً للقلق في البلاد.
أما تأثير توجه الخرطوم الجديد على إيران بشكل مباشر فإنه يعني تضييق تحالفاتها الإقليمية، وخسران الاخيرة للإطلالة الاستراتيجية على البحرالأحمر، والتأثير فى دورها في دعم الحوثيين في اليمن. وبالنسبة لأثر القرار على العلاقات الدولية للسودان، فإن القرار يمثل رسالة مفادها أن الخرطوم جادة في تحجيم علاقاتها والتزاماتها إزاء معسكر إيران.
الخطر الإيراني
ان مواجهة الخطرالايراني المتصاعد في المنطقة لا يتم الا بتضامن عربي موحد كامل، خاصة ان غياب النظام العربي الإقليمي وضعف استراتيجيته لدعم أدواره الإقليمية كان السبب الرئيس في تفاقم ذلك الخطر، لكن بالتضامن العربي الذي وجدته عاصفة الحزم فإنه خطوة اولى لإعادة بناء التضامن العربي وتعزيز النفوذ الإقليمي بعد توفر الإرادة السياسية للقادة العرب، خاصة ان زمن التحالفات العربية التقليدية اصبح عديم الجدوى سيما في صعود إيراني، مما يعني ضرورة اتفاق العرب على نوع التهديدات ومواقع النفوذ لمواجهة التمدد الإيراني وتشكيل حالة من توازن القوى في المنطقة، فضلاً عن تعزيز الوحدة في دول الخليج والقيام بإصلاحات كونها السبيل لتعزيز استقرارها وإغلاق الباب أمام التدخل الخارجي.
خط أحمر
وضح السودان موقفه لدول الخليج العربي بان اى استهداف لها خط احمر، بالتالي فإن الاستهداف الايراني للسعودية حيث تلعب طهران على وتر الطائفية الذي يحقق مبتغاها، لسبب وجيه يكمن في أن شيعة المنطقة الشرقية بالسعودية رسّخوا وطنيتهم للمملكة من خلال مواقفهم، وإن كانت لهم مطالب فإنها شأن داخلي بحت، لكنها لا تعنى ان يقوم الايرانيون باستهداف الدبلوماسيين السعوديين، وهنا تقع المفارقة المرتبطة بالتدخل في الشأن الداخلي وعلى ذات الشائكلة فإن ايران كانت تسعى عبر الحسينيات التى اقيمت في الخرطوم لذات السيناريو، لذا فإن تدخلات ايران الخطيرة في المنطقة العربية ليست برئية كما يتعقد المشككون.
تأثيرات اقليمية
جاء قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع ايران لتأكيد وقوف جميع الدول مع المملكة العربية السعودية، خاصة بعد أقدمت مملكة البحرين على خطوة مماثلة بقطع العلاقات مع إيران، وتبعها السودان، فيما قامت الإمارات بتخفيض التمثيل الدبلوماسي، في وقت خرج فيه البعض بتكهنات، بأن مصر ستقدم على خطوة مماثلة تضامناً مع حلفائها في مجلس التعاون الخليجي، بينما استبعد آخرون أن تقوم مصر بهذه الخطوة، حيث استبعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد العرابي إقدام مصر على هذه الخطوة، مشيرًا إلى أن العلاقات بين مصر وإيران ليست على مستوى السفراء، بل على مستوى القائم بالأعمال منذ سنوات، وتوقع العرابي ألا تقدم مصر على قطع العلاقات مع إيران، مشيرًا إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي لديها ميثاق فيه قدر كبير من التنسيق والتكامل في السياسات، لهذا تقدم على هذه الخطوة، ولا أعتقد أن مصر ستتخذ خطوة مماثلة، بالتالي من حديث السفير المصري يفهم ان مصر ربما اختارت الحياد في القضية وعدم التصعيد واكتفت ببيان الادانة.
توتر المنطقة
حصيلة حادثة الاعتداء الايراني على السفارة السعودية وقطع العلاقات العربية الدبلوماسية لبعض الدول مع طهران، سيدخل المنطقة دون شك في حالة توتر خاصة مع تفاقم الأوضاع بالشرق الأوسط نسبة للتوترات الجارية حالياً مع سوريا والحرب ضد داعش والحوثيين، بجانب احداث ليبيا التى تتصاعد على نار هادئة.
دلالات مهمة
إن قرار السودان بقطع علاقته الدبلوماسية مع ايران له دلالة مهمة للمتابع لطبيعة العلاقات بين البلدين وتأثيره الكبير والمباشر على دعم التضامن العربي الجاد، مما يعني ان الخرطوم توفرت لها الإرادة السياسية الكاملة في الالتزام بما ذكرته وزارة الخارجية وترجمة فورية لدعم السعودية في ميزان القوى الاقليمية الجديدة الصاعدة، وانضمام الخرطوم لحماية الأمن القومي العربي.

الانتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *