منى عبد الفتاح : حنين عوالم السياسة

من أحنُّ إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي في بكائية محمود درويش، إلى الحنين إلى الزمن الماضي في جيشان مشاعر(الطيبين)، والمشدودين والسلبيين في نظر البعض. ثم من الحنين إلى الهياكل القديمة في الأدب والفن والتكوينات السياسية والاجتماعية؛ يصدر الحنين كصدى احتجاجي على ما هو قائم، كلّه أو بعض منه.
ويبرز سؤال على قدر كبير من الأهمية، عن سرّ هذا الانجذاب بعيداً عن نمط المقولة التقليدية: «من ليس لديه قديم، ليس لديه جديد». وهذه المقولة نمطية وترويحية إلى مدى بعيد، ولا ينبغي تعميمها لأنّ بعض الدول أو الكيانات التي نشأت من عدم، وأثبتت نجاحها لم يكن لديها في الأصل ذاك القديم الذي يمكن الارتكاز عليه.
هذا فيما يتعلق بالجانب العاطفي، أمّا في الجانب السياسي مثلاً فإنّ الحنين إلى الماضي يكون إلى قوالب التكوينات السياسية مثل هياكل الأنظمة سواء كانت للدولة الواحدة أو إلى النظام الدولي بأجمعه. وما سبب ذاك الشعور القلِق إلّا من تغيّر قواعد السلوك الدولي، يساعد على ذلك التقدّم التكنولوجي الذي نمّى قوى أخرى وسلطات مثل الإعلام، أو تطوير صناعات وقطاعات اقتصادية أصبحت تحرّك مسار الدول، وتتدخل في القرارات الهامة.
ففي أمريكا يحاول باراك أوباما إعادة نهج إبراهام لينكولن في كرهه لنظام الاستعباد والتفرقة العنصرية، ولكن دون جدوى، ذلك أنّ المجتمع الأمريكي المتشرّب بالديمقراطية وأخلاقيات الحقوق، تأتي عليه أوقات تجعله لا يحتمل الآخر. ومنها أيضاً أنّ إدارة أوباما تحاول على النقيض في مجال السياسة الخارجية، تقييد القوى الاقتصادية الناشئة في العالم الثالث والكيل بمكيالين في مجال العقوبات الاقتصادية التي تفرضها على بعض الدول دون غيرها، مع توفّر نفس الأسباب.
أمّا في روسيا فيخرج فلاديمير بوتين بثوب القيصر، ثمّ يتقدّم قليلاً ليبسط هيمنته بما كانت تعمل به القوى العظمى في القرن التاسع عشر، فامتد نفوذه إلى سوريا، تحلّق طائراته في سمائها ويعيث في الأجواء العربية انقساماً سياسياً خطيراً.
أكبر ممارسي سياسة الحنين إلى الماضي هي الأنظمة العربية، فالنُظم الديكتاتورية ترى في الماضي الديمقراطي حلّاً لأزماتها، والنُظم الديمقراطية لا تلبث إلّا قليلاً في التغيير حتى تعود سيرتها الأولى. والفكرة العامة لسير هذه النُظم ليس بتحري أيهما أنفع ولكن بالنزوع نحو الماضي أيّاً كان شكله ليكون مخلّصاً لمشاكل كثيرة لم تنجح الشعوب العربية في اكتشاف علّتها الأساسية وهي أفكار هذه الشعوب التي تحتاج إلى الكثير من التغيير والتحسين.
أمّا تنظيم داعش، فقد خرج من هذه الأفكار المسيطرة في العقود الفائتة ولم يجد إلّا العودة إلى القرون الوسطى، وباسم الدين وبتزييف نصوصه وشرعه ادّعى أنّ ما يحقّقه من فوضى وفساد واستعباد للبشر ومصادرة لحياة الآخرين، هي دولة الخلافة.
إذن المسألة تتعلق بالجانب النفسي أكثر منها بالجانب الواقعي، إذ يمثّل الحنين إلى الماضي شكلاً هروبياً من مظاهر البؤس والاضطرابات المستشرية في واقع اليوم. ولكن الحقيقة الناصعة هي أنّ النظر إلى الوراء لا يحقّق لنا ما نريد؛ لأنّ لا أحد على تمام التأكد من أنّ الأشياء كانت في الماضي على الشكل الذي يتم تصويره وتغليفه على النحو المراد.
الأمر أشبه بأحلام اليقظة، غير أنّ الأحلام للمستقبل والحنين إلى الماضي، وكلٌّ منهما هو أشياء يُتمنى تحقيقها أو استعادتها. ففي أحلام اليقظة يضع الشخص القالب الذي يريد والحلم الذي يتمناه بالشكل الذي يريد، بغض النظر عن معقولية الحلم، وفي الحنين أيضاً يتم بعض التزييف للماضي حتى يبدو استرجاعه منطقياً. وفي الشكلين إعاقة تامة من مواجهة التحديات الواقعية، وإيجاد حلول للأزمات القائمة.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *