الطيب مصطفى : تعظيم سلام للشرطة والأمن

سعدتُ والله العظيم بالإنجاز الضخم الذي حققته الشرطة وهي تكشف في ساعات قلائل غموض حادث السطو على محل الذهب بسوق أم درمان، فقد زاد اطمئناني أننا في أمن وأمان ويا لها من نعمة احتفى بها القرآن الكريم وامتن الله تعالى بها على قريش منزلاً إياها منزلة رفيعة لا يعلمها إلا من افتقدها. العجيب أن عملية السرقة استخدمت فيها أحدث أساليب أفلام “الآكشن” الأمريكية، وهل من مكر أكبر من أن يذهب كبير اللصوص إلى الشرطة ويستخرج إذناً بالسرقة أو قل بالعملية التي أراد أن يعمي بها على جريمته حتى يحيّد الشرطة ويبعد اهتمامها عنه؟! براعة رجال المباحث وخبرتهم التراكمية كانت أكبر من أن تتيح للصوص تهريب الذهب المسروق، فعندما دوهِموا كانوا قد أعدوا العدة للتحرك إلى ملاذٍ آمن يصعب من تعقب آثارهم، فلله در أولئك الرجال الذين ملأونا تفاؤلاً وبشراً واطمئنانا.ً ربما لأول مرة أتفاعل مع تصريح نبيل حول أهمية الصرف على الأمن والشرطة أدلى به قبل يومين وزير الدولة بالمالية عبد الرحمن ضرار، فبالله عليكم تخيّلوا كم من البنيات الأساسية مثل محطات الكهرباء والمياه والمدارس والجامعات والمستشفيات والطرق والكباري ومراكز الخدمات الأخرى التي كلفت مئات المليارات من الدولارات دُمرت في دمشق والمدن والمناطق الأخرى في سوريا بفعل الحرب؟ نفس السؤال يمكن تكراره حول ما حدث في العراق وليبيا واليمن وغيرها. ما حدث في تلك الدول جميعها كان بسبب انعدام الأمن فهل بربكم من يجرؤ بعد ذلك على استكثار المال مهما كثُر لتجنب تكرار تلك المآلات المدمرة في بلادنا؟! كم أتمزّق عندما أرى النساء والأطفال بل والرجال من أبناء الشعب السوري يتكفّفون الناس في المساجد.. لقد كانوا والله العظيم قبل الحرب أفضل منا حالاً ولكن ! لذلك أقولها دون تردُّد إننا نحتاج كمجتمع سوداني خلال هذه المرحلة من تاريخنا أن نُعلي من قيمة الأمن في حياتنا، ونحمد الله على توافره سيما بعد أن رأينا الأخطار المترتبة على فقدانه فلا تنمية تحدث في غيابه بل إنه حتى القديم مما بُني في عقود من الزمان يُدَّمر في ساعات. قبل أيام جمعتني مناسبة مع محافظ بنك السودان فأسمعني عجباً عن تهريب الذهب وغيره من السلع المدعومة إلى بعض دول الجوار التي ربما يكون بعضها متآمراً في إطار الاستراتيجيات والتوجهات المضادة، وكان مما حدثني عنه بانبهار دور جهاز الأمن في التصدي للتهريب الذي يستهدف الاقتصاد السوداني المنهك أصلاً سيما مع حدود مفتوحة بعضها يحتله المتمردون والآخر يتناوشونه من حين لآخر مع مشروعات يتبنونها للانقضاض على السودان جميعه وإخضاعه لطموحاتهم العنصرية الاستئصالية الشريرة. بات معلوماً أن إسرائيل التي لم تخفِ عداءها للسودان والتي كشف وزير أمنها السابق آفي ديختر الحيثيات التي بنت عليها إستراتيجيتها قد صنّفت السودان منذ إنشائها خطرًا على أمنها وسلامها ومستقبلها وبنت إستراتيجيتها على فرضية أن السودان بموارده وإمكاناته مؤهل ليصبح دولة قوية تؤثر على محيطها الإقليمي وتسهم في التضييق على أمن إسرئيل، ولذلك ظلت تدعم التمرد الجنوبي منذ حركة أنيانيا كما اعترف قائدها جوزيف لاقو، كما ظلت تضيّق الخناق على السودان من خلال دعم تمردات دارفور وغيرها. قبل نحو شهر صدر تصريح مماثل من خبير استخباري صهيوني عضّد ذات الرؤية التي كشفها ديختر واستشهد على صحة قوله بدور السودان في جمع العرب في مؤتمر القمة العربية بالخرطوم بعد هزيمة حزيران 1967 للإعلان عن الصمود العربي باللاءات الثلاثة بل أفلح السودان في إنجاز تلك المصالحة التاريخية بين قطبي العرب في ذلك الحين العاهل السعودي الملك فيصل رحمه الله والرئيس المصري عبد الناصر . إذن فإن السودان يحتل اهتماما دولياً في إستراتيجيات دول معادية رأت فيه خطراً إن تمكّن من استثمار موارده الضخمة ونهض، ولذلك لا غرو أن يُبتلى بالتمردات التي تُمسك بخناقه وتعطّل انطلاقه الأمر الذي يُعلي من دور جهاز الأمن ويجعله مستحقاً للبذل في سبيل تقويته، وكذلك الحال بالنسبة للشرطة والتي تؤمن الأنفس والأعراض والمال وهل من مقاصد شرعية غير ذلك إذا أُضيف إليها مقصدا الدين والعقل؟ صحيح أن جهاز الأمن ينبغي أن يلتزم بالقانون ولا يتجاوزه خاصة في قضايا الحريات المنصوص عليها في وثيقة الحقوق في دستور السودان الانتقالي لعام 2005 سيما وأن تلك التجاوزات تعطّل التراضي الوطني بين القوى السياسية، وبالتالي توقف التعافي والتوافق بين الأحزاب السياسية والحركات المسلحة الذي نتمناه لوطننا حتى ينتقل لمرحلة سياسية جديدة يسودها التداول السلمي الديمقراطي للسلطة بعيدًا عن الاحتراب والاقتتال الذي عطّل مسيرة البلاد وحال بينها وبين توظيف مواردها من أجل النهوض الذي تستحقه. كذلك يبدو لي أن مما يستفز قطاعات أخرى قيام الجهاز ببذل التبرعات المليارية لجهات أخرى فذلك مما يُشعل الغيرة ويثير التساؤل سيما وأن هناك من يتضورون جوعاً من الولايات والوزارات الخدمية المعدمة.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *