الفساد وباء وليس ابتلاء ..

أولاً: محاربة الفساد
قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا» سورة النساء الآية (58).
إن سبيل النجاة وطريق السعادة في الدنيا والآخرة، هو الالتزام بكتاب الله عزَّ وجلَّ وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم واتباع منهج السلف الصالح وطريق سلوكهم. وأن المتأمل في حياة بعض المسلمين اليوم في السودان يلحظ انفصالاً وانفصاماً بين الجانب العلمي النظري الاعتقادي والجانب السلوكي الأخلاقي العملي. فهنالك ثمة تلازماً، بل تلاحماً بين السلوك والاعتقاد والايمان والأخلاق. فالسلوك الظاهر مرتبط بالاعتقاد الباطن ومن ثم فإن الانحراف الواقع في السلوك والأخلاق (ومنها الفساد الأخلاقي)، ناشئ عن نقص وخلل في الإيمان والباطن. يقول الشاطبي رحمه الله: (الأعمال الظاهرة في الشرع دليل على ما في الباطن. فإن كان الظاهر منخرماً حكم على ما في الباطن بذلك، وان كان الظاهر مستقيماً حكم على ما في الباطن بذلك أيضاً). بل قد صرح أهل العلم بهذا المنهج الأخلاقي وهم يذكرون منهج السلف. بقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان منهجهم: (ويدعون الى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ويحاربون الفساد ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً» ويأمرون بأن تعفو عمن ظلمك وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق وغير حق. ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها.
فالايمان والصلاح والأخلاق عناصر متماسكة لا يمكن الفصل بينها، بل قد يبتلى العبد بالتفريط فيها أو التقصير في بعضها تقصيراً يؤدي به إلى التهلكة.
من هذا المنطلق فان كل سلوك يهدد المصلحة العامة بخيانتها وعدم الالتزام بها وذلك بتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة أو اساءة استخدام النفوذ والسلطة أو الوظيفة لتحقيق مكاسب خاصة يعد فساداً. والله تعالى يقول: «وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ» سورة البقرة الآية 205.
ولن يستقيم الاقتصاد السوداني أبداً إلا إذا حاربنا الفساد > واستغلال النفوذ.
وتتطلب محاربة الفساد الآتي:
> سرعة البت في قضايا الفساد والعمل بمسائلة كل مسؤول أياً كان ومهما كان موقعه وفقاً للأنظمة والقوانين.
> استرداد الأموال العامة > من اختلاسات، سرقات، رشوة، تبديل أموال، إساءة استعمال المال العام، جرائم محاسبة، استخدام سيارات، أراضي، غش تجاري، تزوير، تهريب …الخ.
> متابعة هذه الأموال متابعة دقيقة حتى يتم ارجاعها الى خزينة الدولة، متابعتها حتى اذا حولت باسم الابناء أو الزوجات، أو الي شركات أو شراكات لابد من متابعتها (من أين لك هذا).
> توحيد اللجان ذات الاختصاص القضائي في جهة قضائية واحدة ومنحها الاستقلال التام.
> نشر قوائم بأسماء المفسدين ومحاكمتهم حتي يكونوا عظة للآخرين.
فالفساد وباء، إذا سكتنا عنه انتشر، واذا حاربناه انحصر، واذا تسترنا عليه كان أدهى وأمر.
ثانياً: استغلال النفوذ:
قال تعالى: «وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ» سورة الأعراف الآية (56).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يسترعي الله عبداً على رعيته يموت حين يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه الجنة) رواه مسلم.
تتطب محاربة استغلال النفوذ الآتي:
> محاربة المتاجرة بالنفوذ واستغلال وإساءة استعمال السلطة.
> التحري عن أوجه الفساد المالي والاداري في عقود الأشغال (الطرق والمباني وغيرها) وعقود التشغيل والصيانة وغيرها من العقود المتعلقة بالشأن العام ومصالح المواطنين واتخاذ الاجراءات اللازمة في أي عقد يتبين أنه ينطوي على فساد أو انه أبرم أو يجري تنفيذه بالمخالفة لأحكام الأنظمة واللوائح.
> سحب الحصانة الدبلوماسية من المفسدين حتي تتم محاسبتهم وإيقاف من أعفوا من الوظائف من استغلال الجوازات الدبلوماسية من موظفين وقياديين ودستوريين .. وذلك حسب النظام (الخاص بوزارة الخارجية).
> مراجعة جميع التعيينات والترقيات والاختيار للخدمة والتي تتم بطرق غير قانونية (الكوتة والمحسوبية والترضيات) واعتماد التعيين على المؤهل والكفاءة والخبرة، وذلك بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب حتى نرفع من مستوى الأداء والانتاج والانتاجية.
> تنفيذ الضوابط اللازمة لإقرارات الذمة المالية وأداء القسم لبعض الفئات للعاملين بالدولة.
الوسائل المقترحة لمحاربة الفساد:
> وضع برامج إصلاح شاملة تحظى بدعم سياسي قوي واستراتيجية قابلة للتنفيذ لمكافحة واستغلال النفوذ.
> توفير قنوات اتصال مباشرة مع الجمهور لتلقي بلاغاتهم المتعلقة بتصرفات منطوية على الفساد والتحقق من صحتها واتخاذ اللازم بشأنها.
> رصد ما ينشر في وسائل الاعلام عن موضوع الفساد واتخاذ الاجراءات الفعالة بنوع من الشفافية وتوضيح ذلك.
> دعم واجراءات الدراسات والبحوث الخاصة بمواضيع الفساد واتاحة المعلومات للراغبين في البحث والدراسة، بل وحث مركز البحوث على إجراء المزيد من البحوث والدراسات.
> نشر الوعي بمفهوم الفساد واخطاره وآثاره وعدم التسامح مع المفسدين، بل والتعاون والإسهام في منع المفسد من إفساده.
> تنظيم ندوات، مؤتمرات، دورات تدريبية، توعية تثقيفية، وسائل الاعلام، خطب في المساجد، المدارس، الجامعات، المؤسسات الحكومية وغيرها.
> تنمية الشعور بالمواطنة وأهمية حماية المال العام وحماية مرافق الدولة وممتلكاتها.
> إقرار مبدأ الشفافية والتأكيد على العاملين بالدولة بأن الوضوح ومحاربة الفساد يضفي على العمل الحكومي المصداقية والاحترام.
> تسهيل الاجراءات الادارية والتوعية بها واتاحتها للراغبين وعدم اللجوء الى السرية إلا في ما يتعلق بالمعلومات التي تمس السيادة والأمن الوطني، وبعض المعلومات السرية في البنوك.
> تحسين أحوال المواطنين وأوضاعهم الأسرية والوظيفية والمعيشية وتوفير السلع والرقابة على البضائع المغشوشة والأسعار …الخ.
النتائج المتوقعة:
> إن كشف حالات الفساد توفر مبالغ كبيرة لخزينة الدولة.
> تساعد في نشر الوازع الديني وتربية النشء وتساعد في بناء المجتمع على النزاهة والصدق والأمانة.
> محاربة الفساد تساعد في ايقاف النشاطات الاجرامية المتنوعة.
> محاربة الفساد واستغلال النفوذ يساعد في تطوير الاقتصاد والتنمية والاستثمار.
> محاربة الفساد واستغلال النفوذ يساعد في تحسين الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية ويخلق مجتمعاً جديداً تتوفر فيه الكفاية والعدل والحرية والمساواة وتلك هي الغايات التي نسعى لبلوغها والتي توفر أرضية صلبة لأي حوار وطني.
وختاماً:
فإن التاريخ وعبر الزمن تبين أن كل أمة نهضت وكل حضارة ازدهرت انما كان ذلك كله بإذن الله وأمره، ثم بفضل ابناءها الذين ملكوا نفوساً قوية وعزائم مضاءة وهمماً عالية، وأخلاقاً ذاكية، وسيراً فاضلة. يحكم ذلك سياج متين من الدين الحق والعقيدة الراسخة، لقد ابتعدوا عن سفاسف الأمور ومحقرات الأعمال ورذائل الأفعال، لم يقعوا فريسة للفساد، أو أسرى الملذات والشهوات والأشتغال بعيوب الآخرين، وتلمس العيوب للبراء.
لم تكن سعادة الأمة ولا عزة الديار في يوم من الأيام بكثرة الأموال ولا بجمال المباني ولكن السعادة والعزة برجال تثقفت عقولهم، وحسنت أخلاقهم، وصحت عقائدهم، واستقامت تربيتهم، واستنارت بصائرهم، أولئك هم رجال الأخلاق والقوة، وذلك هو بإذن الله مصدر العزة والكرامة. ألا فاتقوا الله رحمكم الله واستقيموا على الدين واستمسكوا بكريم الخلق فإنها لمسؤولية وأنكم أمام الله محاسبون وأعلم أن السعادة لا تدرك بالمنصب ولا بالجاه ولا باستغلال النفوذ، ولا تنال بالشهوات، وتعدد الزيجات، ومتع الحياة، وجمال المظهر، ورقيق اللباس، فالسعادة لا تنال إلا بلباس التقوى، ورداء الخلق، فابحث عن أصول الأخلاق ومزكيات النفوس واعلم أن لمحاسن الأخلاق في ديننا مكانة عالية بلغت بصاحبها أن كان الأقرب لصاحب الخلق العظيم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول عليه الصلاة والسلام: (ان من أحبكم الي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً) رواه مسلم. اللهم اجعلنا منهم.
وفقني الله وإياكم لما فيه الخير والصلاح والله من وراء القصد وهو الهادي الي سواء السبيل.

د. بابكر عبد الله داوود
الانتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *