الهندي عز الدين : فشل الوزير “حميدة” .. مستشفى “البلك” نموذجاً !

{قضيت ليل (الخميس) الفائت وحتى الساعات الأولى من الصباح متجولاً بين عدد من مستشفيات “الثورة” و”أم درمان”، بحثاً عن طبيب يداوي آلام طفلة عمرها سنة واحدة ولدت بحالة خاصة، ناقصة النمو وتعاني من مشكلة في الدماغ.
{ارتفعت حرارة الطفلة ليلاً وصارت تتنفس بصعوبة جراء التهاب واضح بالشعب الهوائية. لجأ لي أهل الطفلة وتربطني بهم علاقة صداقة ومودة، فبدأنا سوياً رحلة البحث عن مستشفى مناسب.

{اقترحت عليهم مستشفى “البلك” بالحارة الرابعة بالثورة باعتباره في المنطقة والوقت ليلاً، فضلاً عن أنه مستشفى متخصص في أمراض الأطفال فقط.

{دلفنا إلى داخل المستشفى حوالي الثانية صباحاً، لأول مرة تضطرني الظروف القاهرة لدخوله وأرجو أن تكون آخر مرة.

{هو مستشفى بحالة من البؤس والسوء والتدهور البيئي، لدرجة أنني أستطيع أن أجزم أنه كحال الكثير من مستشفياتنا يمكن أن يكون ناقلاً للأمراض لا مداوياً لها.

{في غرفة صغيرة جلس ثلاثة أشخاص خلف طاولات لمقابلة المرضى .. شاب وفتاتان في نهاية العشرينيات من أعمارهم أو هكذا بدوا، يفترض أنهم (أطباء)، ربما كانوا في فترة (الامتياز) أو عموميين.
{تقدمت جدة الطفلة وأمها بالرضيعة التي كانت في حالة يرثى لها وأنفاسها تتقطع وصدرها يعلو ويهبط ناحية الشاب وجلست تحمل المريضة، وبدأت تروي لمن يفترض أنه (طبيب) التاريخ المرضي للطفلة والحالة الراهنة، فأخذ يسألها وهي تجيب، كم عمرها .. أديتوها شنو .. هسه بتشكي من شنو ..؟؟؟ {واستمرت الأسئلة .. والأجوبة، كان الشاب متوتراً وضيق الصدر ولا يناسب أصلاً مهنة الإنسانية الراقية، ثم بدأت نبرة صوته تعلو .. يسأل بـ(نهرة) كما تعود بعض الأطباء الكبار والصغار في سوداننا المكلوم !!

{عاد الشاب يسأل من جديد وأنا أتابعه على مقربة منه: (عمرها كم ؟؟؟) مع أنه افتتح أسئلته السابقة بذات السؤال!!
{الشاب قرر إيقاف علاج الالتهابات والملاريا وإعطاء الطفلة جرعة أكسجين.
{حسناً، تحركنا صوب غرفة الأكسجين، مروراً بالعنابر، مشاهد ينفطر لها الفؤاد، تكدس على الأسرة، وروائح نتنة تنبعث حتى من غرفة الأكسجين !!

{لم يكن هناك طبيب أو ممرض، وكانت والدة طفل مريض آخر تحمل طفلها وتمسك بجهاز التنفس أثناء تعاطيه الجرعة، الطبيب المشرف كان في مكان آخر، وعندما عدنا نسأل الشاب (الزهجان) كان رده علينا: ( ياخي لو متضايقين أمشوا) !!
{منتهى الصفاقة وقلة الذوق والأدب، وتصدر مثل تلك العبارات ممن يسمونه (طبيباً) !!
{يا سبحان الله.
خرجنا بعد أن حدثت احتكاكات وملاسنات بين أهل المريضة والطبيب.

{توجهنا لمستشفى خاص بشارع “الشنقيطي” .. الساعة كانت حوالي الثالثة صباحاً، وكانت هناك طبيبة صغيرة السن .. ضعيفة الخبرة مع طبيب شاب آخر يبدو أن مناوبته انتهت، كان يتمشى في الصالة ويضع يديه في جيبي البنطلون وكأنه (بردان) وينظر أعلى مهوماً في الأفق وكأنه (أبوقراط) !!
{لم تستطع الدكتورة (الصغيرونة) أن تفهم أو تقدم أي حاجة لإنقاذ الطفلة.. وأخذت تكتب لها جرعة أكسجين ثم جرعة ثانية ثم ثالثة ودون فائدة .. الحال في حالو !!

{عزيزي القارئ .. أنا أعلم أنك تعلم أن وزارة الصحة غير موجودة وفشلت فشلاً ذريعاً في تطوير القطاع الصحي، فلم تجد غير تفكيك مستشفى الخرطوم لتقليل النفقات، لا لتوصيل الخدمة للناس في الأطراف كما زعم الدكتور “مأمون حميدة”، ولكن لتتأكد أكثر فلتزر أي مستشفى حكومي أو خاص بعد الثانية صباحاً، لن تجد غير دكاترة (تعلمجية) ..أولاد وبنات ما فاهمين أي حاجة .. ولا يوجد نواب ومستحيل أن تجد اختصاصياً ليلاً .. مستحيل ..!!

{ما حدث في مستشفى “البلك” ليس استثناءً، فمثل هذا المشهد يتكرر كل يوم في معظم المستشفيات.
بيئة صحية طاردة .. أطباء بلا خبرة .. يتعلمون على المرضى وكيفما تجي تجي !!
{والأدهى والأمر أنهم لم يتعلموا في مدرجات كليات الطب كيفية التعامل مع المرضى ومرافقيهم بكل أدب واحترام.

{لماذا لا يتعلموا من الأطباء (المصريين) كيف يتواضعون ويحنون رؤوسهم لمرضاهم أدباً واحتراماً .. (هو حضرتك بتشكي من أيه؟ أنا تحت الخدمة يا أفندم) ؟!

{وليتعلموا من كبار دكاترتنا المحترمين المهذبين مثل البروفيسور العالم “صديق إبراهيم خليل” استشاري أمراض الباطنية والقلب، والبروفيسور “مبارك فضل” استشاري جراحة العظام الذي بعد أن نهل من علوم “كندا” ترفض الآن إدارة (جامعة الأزهري) استيعابه في موقعه، لتدريس وتعليم طلاب الطب أدب التعامل مع المرضى قبل مناهج الباطنية والعظام !!

{يا مديرة جامعة الأزهري .. هو انتو لاقين وطايلين دكاترة بمقام الدكتور “مبارك فضل”؟! مثل هذا يفترض أن تتسابقوا عليه كما تسابق (الهلال) و(المريخ) على اللاعب “شيبوب” .. ولكن من يفهم ومن يقدر؟

{إنني أدعو سيادة النائب الأول لرئيس الجمهورية الفريق أول ركن “بكري حسن صالح”، لزيارة عدد من المستشفيات الحكومية والخاصة ليلاً وبصورة مفاجئة، استكمالاً لزياراته المفاجئة لعدد من المؤسسات، بما في ذلك مستشفى “إبراهيم مالك” الذي حول إليه الوزير “حميدة ” غالب أقسام مستشفى الخرطوم ليكون نموذجاً !!
{ويا له من نموذج بائس!!

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *