أستاذيـة في الميناء البري..بروفيسور عبده مختـار

دخلتُ في الأسبوع الماضي لميناء الخرطوم البري لأحصل على تذكرة سفر بالبص إلى مدينة واد مدني قاصداً حنتوب الجميلة بصفة أستاذ زائر لطلبة الماجستير في معهـد إسلامية المعرفة. بمجرد دخولي لباحة الميناء البري وقبل أن أصل للصالة جاءني مسرعاً أحد الذين يتنافسون على خطف الركاب لشركة ما من الشركات العاملة في البصات السفرية. فخاطبني ذلك الشاب قائلاً: «وين يا بروف؟». فقلتُ له: «تذكرتي في جيبي». لكن سألته: كيف عـرفتني بروف؟ فقال لي: بنعرف نميِّـز يا عمك. فقلتُ له: بالله ما توزعـو الألقاب دي على كيفكم.
شخصياً كنتُ لا أحبذ أن أكتب لقبي سابقاً لإسمي عندما أكتب في الصحف. لكن لاحظتُ أن «الحكاية جاطت» بل بعض وسائل الإعلام تمنح اللقب العلمي لكثيرين لا يحملونه أصلاً، وكذلك صفة «خبير»، فمن باب أولى أن أعتز به طالما أني حصلتُ عليه عبر أصعب الشروط.. فنحنُ في السودان ــ بل ومعظم الدول العربية ــ نحتفي احتفاءً كبيراً بالألقاب العلمية. بينما في الغرب وكثير من دول العالم لا يُستخدم اللقب إلا عند اللزوم. ففي الدوريات العلمية، مثلاً، تتم كتابة اسم الباحث بدون لقب، ثم أمام اسمه «بين أقواس» تتم إضافة الدرجة العلمية ومجالها (Ph.D., Politics) – كمثال.
وهناك حتى أصحاب النظريات والمشاهير في السياسة لا يسبق اسمهم لقب علمي: فمثلاً صاحب نظرية «صراع الحضارات» صامويل ب. هنتجتون هو بروفيسور في العلوم السياسية «جامعة هارفارد»، ولكن الناس تتداول أفكاره وتناقش نظرياته بدون لقب، وحتى في كتبه لا نجد أثراً لهذا اللقب. وكذلك فرانسيس فوكوياما، صاحب نظرية نهاية التاريخ وآخر البشر، بروفيسور في العلوم السياسية، وقونداليزا رايز وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق، دكتورة في العلوم السياسية، وغيرهم.
لقد انتشرت الألقاب العلمية بصورة كبيرة في السودان لدرجة أن «الكمسنجية» في السوق كانوا يقولون يا أستاذ، ثم تحولوا لـ «يا دكتور»، والآن انتقلوا لـ «بروف»! إذن «هانت الأستاذية»، كما تقول النكتة المنسوبة لحلفاوي «هانت الزلابية». نقول مبروك لكل من يستحق اللقب ويحصل عليه وفق بحث علمي رصين. لكن اليوم كثيرًا ما تجد أن هناك من يحمل اللقب ولكن عند «المحك» تتساءل مندهشاً: كيف حصل على هذا اللقب؟! السبب مرتبط بثورة التعليم «العام والعالي» من ناحية «السلم التعليمي والمنهج الجديد وإسقاط عام دراسي» وتسييس التعليم من ناحية أخرى «أو تسييس المناصب الإدارية المرتبطة بالجامعات: رئيس قسم، عميد، مدير جامعة..». إضافة لذلك فإن لائحة الترقيات للدرجات العلمية لما بعد الدكتوراه ضعيفة جداً وبها ثغرات يتم من خلالها ترقية البعض مما يُضعف المرجعيات العلمية لأنهم يصبحون هم «محكمين» لما بعدهم من أجيال «وفاقد الشيء لا يعطيه». وعندما تضعف المرجعيات العلمية يصبح مستقبل التعليم والبحث العلمي في خطر يا وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي.
وحتى لا يكون حديثي هذا تعميماً أو بدون سند فأشير كمثال إلى أن لائحة الترقية من الدرجة العلمية لحامل الدكتوراه «الأستاذ المساعد» إلى الدرجة الأعلى «الأستاذ المشارك» فيها ثغرة كبيرة جداً وهي البند المعروف تحت اسم «الترقية بالمعايير المختلفة: التدريس، البحث العلمي، خدمة المجتمع، الإدارة الأكاديمية». أولاً: ليس هناك معايير محددة أو موضوعية لمسألة «خدمة المجتمع» حتى أنها تعفي الشخص من عبء البحث العلمي أو تحل محل البحث العلمي. وهل يستطيع الأستاذ بـ «خدمة المجتمع» والعمل الإداري أن يتحول إلى «عالِم»؟. وتقول اللائحة تحت هذا البند/المعيار أنه يمكن ترقية هذا الأستاذ/الإداري إلى الدرجة الأعلى إذا نُشِـر له بحث «واحد» فقط في دورية علمية محكمة! تخيلوا أن بحثاً واحداً يحوّل أستاذ مساعد إلى بروفيسور مشارك associate professor!! لمجرد أنه «أسهم في التدريس، وفي اللجان الأكاديمية، والإدارة الأكاديمية، وفي العمل المهني وخدمة المجتمع، وأداؤه متميز وسلوكه حميداً!».. أليس إذا كان «أداؤه متميزاً» بالضرورة تكون له بحوث متميزة؟
وفي جامعة أخرى تقول اللائحة إن الترقية إلى الأستاذ المشارك بالمعايير المختلفة «إدارة وخدمة مجتمع» يكون معها «بالإضافة إلى التدريس لمدة خمس سنوات أن يكون له 3 أوراق في دوريات علمية محكمة واثنان في مؤتمرات علمية محكمة منها «واحد» في مؤتمرات عالمية محكمة». أشير إلى أن كثير جدا من المؤتمرات خارج السودان «المشار لها بكلمة عالمية هنا» لا يتم فيها تحكيم إطلاقاً، بل بعضها يطلب المستخلص فقط (abstract) لقبول المشارك. أما في داخل السودان فمعظم مؤتمراتنا ليس فيها تحكيم علمي. ويكفي أن أشير إلى أنه في أحد المؤتمرات في قاعة الصداقة قبل سنوات قدم أستاذ جامعي ورقة ضمت (14) فرضية؟! أكثر مما تتحمله رسالة دكتوراه! هذا يعني أنه لا يعرف معنى الفرضية؟ فالورقة البحثية تكفيها فرضية واحدة تنطلق منها أو سؤال مركزي/محوري تحاول الإجابة عليه.. وهناك خلط أو عدم تمييز بين الورقة البحثية research paper وورقة العمل working paper والمقال الأكاديمي essay أو المنشور في دورية علمية محكِّمـة journal article. كما أن الدكتوراه أصبحت بمنتهى السهولة. بينما تحافظ الجامعات في الدول الأخرى على مستويات رفيعة لبحث الدكتوراه نجد أنه في السودان يجلس طالب الدكتوراة في المكتبات و«ينقل» ويقدم بحثه بعد عامين وربما يتم منحه الدرجة «ذات البحث المنقول» بتقدير ممتاز!! وهذا التقدير يشير إلى أنه «يجب» أن يكون عالماً في مجاله، لكن في الواقع تجده لا يعرف المفاهيم الأساسية في مجاله ولا يعرف يميز بين الفرضية والنتيجة والمسلمات والمعطيات والبديهيات…إلخ.! في الدول التي تحترم التقاليد العلمية لا يسجل الطالب لدرجة الدكتوراه إلا إذا قدم سمناراً لموضوعه ليثبت لهيئة التدريس أنه ملم ببحثه ويثبت للحضور أن في بحثه إضافة علمية حقيقية في المجال المعني. فالملاحظ أنه في الرسائل الجامعية تُسمى رسالة الماجستير «بحثاً research» لكن يُسمى بحث الدكتوراه «أطروحة» »dissertation» بمعنى أن يطرح الباحث رؤية جديدة في المجال أو معالجة جديدة للمشكلة والظاهرة موضوع البحث. لذلك نجد أن كثيراً من الشباب الباحثين الغربيين «الخواجات» ينتشرون في الريف الأفريقي لمعالجة مشكلة أو ظاهرة ما لم تتم معالجتها من قبل، وذلك لفترة طويلة لإجراء بحوث «إمبيريقية». فترة الدكتوراه في أمريكا مثلاً «6» سنوات: عامان كورسات يدرس فيها الطالب النظريات والمفاهيم ومنهجية البحث العلمي في المجال المعني، و«4» أعوام للبحث.. ألتمس من البروفيسور وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي والمجلس القومي للتعليم العالي والبحث العلمي إعادة النظر في هذه اللائحة «وخاصة تلك البنود التي تعطي الفرصة لاستسهال الترقيات العلمية». وأقول للسيد النائب الأول لرئيس الجمهورية إن إصلاح الدولة يجب أن يبدأ بعدم تسييس المؤسسات التعليمية، وحيادية الخدمة المدنية. كما نحتاج لـ «ثورة نوعية» للتعليم العالي بعد أن حققت ثورة التعليم طفرة «كمية» فقط وإلا سوف تكون الأعداد الضخمة من الخريجين كـ «غثاء البحر».

الانتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *