منى عبد الفتاح : مضايا.. ما أوحش العالم

تقول الرواية إنّ امرأة عجوزا دخلت على قس بن ساعدة الإيادي، وقالت له: أيها الحاكم أشكو إليك قلة الفئران في بيتي، فضحك الحاكم لطرافة هذا الأسلوب الذي شرحت به العجوز فقرها، وقال: املؤوا بيتها خبزا ولحما وسمنا وتمرا، فقد فهم الحاكم من كلام العجوز أنّه لا يوجد في بيتها أي طعام ما دامت لا توجد فئران، وما فعله قس بن ساعدة يفعله كرماء البشر من كل ملة.

ذاك زمان كان فيه حال الفقر والعوز هادئا تتم معالجته رسميا أو تكافلا شعبيا، وذلك لعدم وجود تعقيد يحيط بالناس وطرائق عيشهم وحياتهم عموما، وكان الجائع يمشي على قدميه ولا يزحف على بطنه المنطوية، ولم يكن عوزا بالحرب والحصار ومنع وصول الإغاثات من المواد الغذائية والدوائية، مثلما يحدث في بلدة مضايا بريف دمشق الغربي.

هذا الموت جراء الحصار الذي يفرضه النظام السوري وحزب الله اللبناني، وينكرونه في نفس الوقت، لم يحرّك إنسانية المجتمع الدولي، سوى بتطبيق هدنة بين المعارضة والنظام تشمل فكّ الحصار عن مضايا لتسهيل مرور الإغاثات.

ألا تكفي هذه السنوات الطوال من الحرب للاعتراف بالإبادة السورية، المجرمون ينكرون أنّ من نراهم أشبه بالأشباح، يموتون جوعا، مع أنّ الجوع نفسه يعلن عن كونه أداة لجريمة يقترفها هؤلاء، ويتبدى في هيئة الهياكل العظمية التي ظهرت على استحياء عالمي.

لا حجة للمنظمات الإنسانية الأجنبية منها والعربية والإسلامية في إهمالها وتأخرها عن إنقاذ هؤلاء الضحايا، حتى بدوا بهذه الصور المفجعة والمخيفة كما تسميها وسائل الإعلام، إنّ الفجيعة الحقيقية هي في التلكؤ عن الدعم ومن قبله حتى الإحساس بهكذا أزمة تحت تسويف ومطالبات ببنود شرعية للتدخل. وهل ما يحدث هناك شرعيٌّ في أيٍّ من تفاصيله.

حين يترك الشعب السوري أي شيء وأي حلم آخر على هذه الأرض ويسأل الأطفال الصغار، الزوار والمتفقدين من الصليب الأحمر: «هل جلبتم لنا طعاما. نحن جوعى»، نعلم وبشكل لا يقبل التزييف أنّ هذا العالم ماضٍ إلى هلاك، ولن يمضي إلى شيء آخر ما دامت بلدة لا يتعدى سكانها 40 ألف شخص، يتم حصارها بواسطة نظام ديكتاتور وتابعيه من التجار بالمآسي في مزادات الحروب، يصبح الجحيم هو الاسم الأنسب لحياة هؤلاء ممن يتابعون مسيرهم إلى نفق الموت المحتوم.

استفهام منطقي طرحه الكاتب البريطاني ديفيد بلير في مقال نشرته صحيفة صنداي تلغراف البريطانية قال فيه إنّه إذا كان الطيران البريطاني غير قادر على إسقاط الطعام لبلدة مضايا فلماذا هو موجود من الأصل؟ وإذا كان بمقدور الطيران البريطاني إسقاط القنابل، فلماذا لا يسقط المساعدات لإنقاذ المتضورين جوعا؟

لم تبدأ الأزمة فجأة، بل متوقعة كنتيجة حتمية للحرب، وكل شيء لا إنساني، منذ يوليو من العام الماضي كان الحصار هو أحد الأدوات والأسلحة المستخدمة في المعارك الدائرة في بعض مناطق البلاد التي يُخيّر فيها المدنيون ما بين التجويع أو الاستسلام. الأسماء عديدة اشتهرت بحرق أهلها وتجويعهم وتعذيبهم وهي في مجملها مناطق لا يزال يقطنها أعداد كبيرة من المدنيين، الذين فرضت الحرب صعوبة وصول المواد الغذائية إليهم.

استفهام أخير: هل تبدو دولة الكيان الصهيوني أكثر رحمة من الأسد وحزب الله عندما سمحت لوفود الشؤون الإنسانية وعلى رأسها منظمة المؤتمر الإسلامي، منذ الحرب الإسرائيلية الغاشمة على قطاع غزة بتقديم المساعدات هناك؟ ليست هناك إجابة حاضرة، ولكن الحصار فظيع في الحالتين. ففي حالة غزة أنتج بضغط المجهودات الإنسانية، مشاريع تنموية لإفادة أهالي القطاع على كافة الصعد الغذائية، والصحية، والتعليمية، وغيرها، بينما تنكص ذات الإنسانية عن توصيل لقمة خبز إلى فم سوري يتضوّر جوعا.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *