الطيب مصطفى : شمال كردفان وثورة التعمير

يواصل والي شمال كردفان أحمد هارون ثورته التعميرية من خلال نفرة تعليمية جديدة تعقب النجاح الباهر للدورة المدرسية التي أقيمت في العاصمة الأبيض، وذلك بإزالة (580) فصلاً (قشيا) أي مقاماً بالقش في محلية شيكان وأنه لعمل لو تعلمون عظيم.
لا أظن أن ذاكرة الناس قد طوت أو نسيت تلك الصور البائسة المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي لفصول القش التي اشتهرت بها شمال كردفان أكثر من غيرها من الولايات، كما لم تنس صوراً أخرى تعكس التخلف المريع في شتى مناحي الحياة، ولا أريد أن أحكي عن المأساة الكبرى المتمثلة في ندرة المياه في تلك الولاية تحديداً.
ها هو النفير قد بدأ .. مصنع للبلوك أقيم خصيصاً للنفرة الجديدة ستزيد طاقته الانتاجية من ألف إلى 5000 بلوكة سيما بعد أن انهالت التبرعات من فئات المجتمع المحلي ورئاسىة الولاية.
معتمد محلية شيكان شريف الفاضل الذي برز ومدارسه خلال الدورة المدرسية بشكل لافت تحدث عن السعي لتقليص الفترة الزمنية لاستكمال المشروع إلى ثلاثة أو أربعة أشهر حتى لا يتضارب العمل مع بدء العام الدراسي الجديد.
أكثر ما يهزني ويملؤني أملاً في زمن الإحباط الذي يغمر حياتنا ذلك التداعي التلقائي من مجتمع الولاية والمحلية من خلال ابنائهما المنتشرين في شتى أصقاع السودان والعالم، فقد فتح باب التبرعات وحدث التفاعل من الهيئات والمؤسسات والإدارات الأهلية والأفراد، واللافت بحق أن يشمل النفير والتبرعات المهن الهامشية كما حدث من ماسحي الأحذية وستات الشاي والذي أبكى ذات يوم الوالي هارون.
وزير التربية حض المعتمدين الآخرين في الولاية على أن يحذوا حذو معتمدية شيكان ونحن بدورنا نطلب من بقية الولايات أن تستدعي تجربة النفير المركوزة أصلاً في نفوس الشعب السوداني الكريم تأسياً بالوالي هارون الذي قدم القدوة وأيقظ الهمة وحرك كوامن الخير وفجر الطاقات مما جعله يحشد القيم الإيجابية الكامنة في نفوس الناس ويحيلها إلى فعل يتدفق خيراً على الجميع.
وهل كان الوالي هارون وهو يبتدر تلك الثورة إلا منطلقاً من قيم عليا ودين استنهض أتباعه بآي القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ)، وهل النفير إلا بالأموال والأنفس مما ورد في كتاب ربنا المحتشد بهذه المعاني وهل فدى ذو النورين عثمان بن عفان نفسه واشترى الجنة إلا بتجهيز غزوة العسرة استجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستنفر المؤمنين ويحضهم على البذل قبل التوجه إلى تبوك؟ أنفق عثمان مائة فرس و900 بعير غير الذهب وغيره مما جعل الرسول الكريم يتهلل فرحاً ويقول (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم).
لا ينبغي لنفير شمال كردفان وأي نفير غيره أن يستبعد استصحاب ذلك البعد الأيماني وهو يستنهض الناس ويحرضهم على البذل والسخاء، فالناس لا يستنهضون بهدف آخر مهما عظم مثل ابتغاء الثواب من خلال المشاركة في تلك الأعمال الخدمية.
من جانبنا نقول إننا سنكون عضداً لكل فعل خير وسنداً لكل جهد يبذل بمفهوم نرجو أن يترسخ في ممارسة العمل السياسي.. مفهوم أن تختفي الحدود الوهمية بين القوى السياسية متى ما دعا داعي الخير لتتكاتف الأيدي وتتوحد القلوب والمشاعر بعيداً عن التشاكس والتنافر والتنازع الذي لا يفضي إلا إلى الفشل وذهاب الريح.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *