العائدون من (داعش) .. قصصٌ تُروى للمرة الأولى .. قصة عودة صبيٍّ لم يُكمل العشرين عاماً

العائدون من (داعش) .. قصصٌ تُروى للمرة الأولى .. قصة عودة صبيٍّ لم يُكمل العشرين عاماً

ملامحه البريئة و طريقة حديثه تعطي انطباعاً قوياً بانه بعيد عن الفكر الإسلامي عموماً، و نهج (داعش) على وجه الخصوص …حينها سألته عن مدى التزامه الديني، قال: (أصلي و أصوم)، عمره الذي لم يتعد (19) عاماً، عاش تجربة مخيفة علمته الصبر و احتمال البلاء.
(عمرو)، طالب بالمستوى الثالث كلية الطيب بجامعة العلوم الطبية و التكنولوجيا شديد التدين و الانضباط، بدأت تظهر عليه بوادر الانزعاج من الغافلين عن تأدية فرائض الصلاة سواء الأقارب أو الأصدقاء اختار بن ينضم الي التنظيم أسوة بأصدقائه الذين سافروا إلى دولة الخلافة الإسلامية عن طريق تركيا، إلا انه خالفهم و سافر إلى (داعش) ليبيا عبر البر.
(م) امتحن الشهادة السودانية، فارق العمر بينه و بين إبن عمته(عمرو) لم يكن سوى أشهر هما قريبان و صديقان في ذات الوقت. لا يعرف (م) عن (داعش) الكثير، كان يسمع انها تنادي بالخلافة الإسلامية و تطبيق شرع الله و رفع راية الإسلام و تلتقط أدناة هذه الأحاديث من ابن عمته، فهو لم يدخل الجامعة بعد و ليس من محبي الكتب و الروايات او متابعي النشرات الإخبارية، و رغم ذلك أراد الذهاب مع عمرو الذي اسر له بقراره الالتحاق بالتنظيم.
يقول (م) الذي كان يجلس وسط أسرته : “أردت مؤازرته في الطريق هو ابن عمتي و صديقي و لم يشق في حياته”. و يضيف: “لم يطلب مني عمرو أن اذهب معه لكنني هددته ان لم يوافق لي بذلك أن ابلغ عمتي أي خالة عمرو و التي كان يقيم معاها في المنزل و بإصراري وافق و أوضح لي أننا سنغادر إلى ليبيا في غضون أيام”.
بداية الاختفاء
في الأسبوع الاول من رمضان الماضي اتصل عمرو على (م) لينتظره قرب مطعم في الرياض كانت هناك عربة مظللة في انتظارهما ركبا فيها في منتصف الطريق تم استبدال العربة بـ(بوكس) و انضم لهما الشابان “انس” و “خالد”. تحرك “البوكس” الذي كان يحمل هؤلاء الشباب و اخرين و عند أول نقطة تفتيش بعد سوق ليبيا سمع (م) الراكبين يجيبون على أسئلة أفراد الشرطة: “ذاهبون إلي أوروبا”، يقول (م): (وصلنا بعربة البوكس المأساوية الي منطقة إسمها بوهاد على الحدود، بتنا ليلتنا، و في الصباح بعد أن إكتمل عدد المغادرين بعدد(25) شخصاً، تحركت عربة (التاتشر) و بدأت الرحلة عبر الصحراء”.
خمسة أيام ظلوا يأكلون فيها الكيك و يشربون عصائر ساخنة، يقضون حاجتهم في الصحراء، يبيتون على الرمال في الطقس البارد، التاتشر كانت تحم براميل وقود و مياهاً أوشكت على الانتهاء، لا تتوقف العربة إلا بعد عشرة ساعات متواصلة من الحركة.
الخرطوم… رحلة البحث
هاتفا (م) و عمرو مغلقان، بدأت الأسرة بحثها في جميع المستشفيات العامة و الخاصة و اقسام الشرطة، تكاثفت الاتصالات على جميع المعرف و الأصدقاء، عل أحدهم رآهما او سمع عنهما، أفراد الأسرة إتجهوا الي مطار الخرطوم بعد أن استخرجوا اذنا من وكيل النيابة اعادوا شرائط كاميرات المراقبة و بحثوا في الصالات و كانوا يتوزعون يومياً في أرجاء المطار بعد أن ابلغتهم السلطات أن إسمي (م) و عمرو لم يكونا ضمن قوائم المسافرين.
اتجهت الاسرة للبحث في ميناء بورتسودان و الولايات عموماً، فأوكلت لأي فرد في العائلة متابعة ولاية معينة و إجراء اتصالات للبحث عن أي معلومة. هناك من اقترح على إسلام شقيقة (م) أن تبلغ إستعلامات جهاز الامن، و تستفسر ان كان معتقلاً ففعلت و جاءها الرد في اليوم التالي انه ليس معتقلاً، و عرض الجهاز عليهم المساعدة، غير أن إسلام تدرس المستوى الخامس جامعة الاحفاد تردد في البدء و حاولت التواصل مع جهات أخرى .
لم يكن أمامها خيار كما قالت لـ(السوداني) سوى أن تنشر صورهما في مواقع التواصل الاجتماعي و بعض مواقف المواصلات العامة مع رقم الهاتف، و هو ما جلب إليها مئات الرسائل و الاتصالات كان بعضها ادعاءً من اشخاص انهم رأوا (م)، في كردفان و غيرها من الولايات.
في الصحراء
في تلك الأثناء كان (م) و رفاقه في الصحراء، جاء موعد الالتقاء بشخص ليبي من طرف (داعش) في نقطة محددة و هو الرجل الذي يفترض ان يوصلهم الي مقر التنظيم لكنهم تاهوا و لم يصلوا الي الموقع المحدد في الزمان المحدد فما الذي حدث؟
يسرد (م) التفاصيل قائلاً: “صادفنا ليبين لونهم أسمر، يبدو أن أصولهم من دولة أفريقية مجاورة طلبوا منا ان نذهب معهم حتى نعطيهم ما نملك من أموال، كانوا مسلحين و اتجهوا بنا الي مزارع اسمها ربيان جنوب ليبيا كانت امامنا عربة و خلفنا أخرى، المزارع بعيدة لذا لجأنا الي جبل بتنا فيه ليلتنا، كنا جائعين و تعبين للغاية.
و يواصل (م) السرد بأنهم تحركوا في اليوم التالي الي جبل آخر بعد ان حل الظلام توفي أنس و هو بقربهم، كان ذلك في ليلة الأحد. يصف (م) تلك اللحظات بأن انس كان يتحدث منذ الصر بكلام غير مفهوم او مترابط، و بعد المغرب ظل يقول: “لا اله الا الله محمد رسول الله”. و في المساء توفي، يرجح (م) سبب وفاة انس الي الجوعه و التعب و يحكي بحزن انهم من شدة التعب لم يتمكنوا من حضور دفنه! طوالي الطريق كانوا يؤدون الصلاة و هم جلوس و في الغالب يتيممون، فالعيش في الصحراء لأيام أضعف مقاومتهم.
المأساة الأخرى
و هم يتجهون إلى المزرعة توقفت العربة للتزود بالوقود و المياه من شاحنات تمر في ذلك المكان نزل (م) و هو منهك الجسد شديد الجوع و العطش، نادى على عمرو طالياً منه لنزول من عربة التاتشر لم يرد ابن عمته عليه، اقترب (م) منه اكثر و قام بهزه و في ثواني ارتمى الجسد ممداً في العربة، و مات رفيق الدرب عمرو الذي قرر الالتحاق بداعش لإعتقاده انها ترفع راية الاسلام و تطبق شرع الله مات بعد ان اصر على الذهاب الي ليبيا و ليس مكان آخر بحجة قلة الأطباء.
سألت (م) إن حاول عمرو خلال الرحلة اقناعه فكريا بالانضمام للتنظيم فاجاب قائلاً: (كنت أسأله حول ذبح التنظيم قتله للأبرياء”، فكان يقول ان الأعلام و بعض الجهات تسعى لتشويه صورة داعش.
اتجه (م) برفقة اثيوبين الي مزرعة و هناك وجد مجموعات من السوريين و الارتريين و السودانيين و ايضا بنغلاديش بعضهم يريد الانضمام لداعش و بعضهم يريد الهجرة الي اوروبا.
الاتصال الأول
في مكان اسمه ربيان حيث تقع المزرعة اجرى (م) اول اتصال هاتفي عبر الثريا مع اسرته، كان ذلك في او ايام عيد الفطر اتصل بابن عمته عاصم و شرح له القصة كاملة.
بعد المكالمة مكث في المزرعة ثلاثة اشهر، تأقلم على الوضع الماثل … عمل في تلك الأشهر “طباخا” يعد اكلات مثل “المعكرونه” و “العصيدة” و يقول (م): “لم افكر في الهرب الصحراء على امتداد البصر، علمت من المقيمين في المزرعة ان مبلغ (2500) دينار كفيل بتدبير إطلاق سراحي و الذهاب لأي مكان”.
و عن ردة فعل اسرته عبر الهاتف قال: “كان همهم في ذلك الوقت أن أعود و كنت قلقاً من العودة”. بدا لي ان وفاة ابن عمته، اثرت على فكرة العودة، سألته ان تحدثت معه عمته بعد علمها بوفاة ابنها قال: “هي الآن مصدومة، لكنها اتصلت بي اكثر من مرة و طلبت مني العودة لأهلي و أسرتي و ممارسة حياتي بشكل طبيعي”.
استئناف المتحولات
و استأنفت إسلام التواصل الذي ترددت فيه مع جهاز الامن بعد أن بلغها عدد من الناس أنه مقبوض لدي الجهاز، قالت: “بعد اتصال شقيقي و معرفتنا بمكانه في ليبيا كذبت المزاعم التي تحدثت انه لدي الجهاز، اتصلت بهم للمساعدة، و كانت لنا في ذلك الوقت محاولات منفصلة مع احد التجار و اتفقنا معه على مبلغ مالي نظير إعادته إلا انه اشار الي عدم تمكنه من الوصول الي المزرعة، انما طلب حضور (م) إليه في منطقة غرب المزرعة، وهو ما رفضناه”، و أضافت إسلام أن المسؤولين في الجهاز يعملون في هذا الملف طلبوا منهم عدم التعاون مع التجار مؤكدين قدرتهم على أعادة شقيقهم للخرطوم.
غير ان الاسرة و بحسب إفادات الأب و بعض الأقارب لم تكتف بالاعتماد على جهاز الامن، فقد اجرت اتصالات بليبيا و اتجهت أيضا إلى شركة (…) للاتصالات، و لم تجد سوى معلومات مغلوطه، يوقل الوالد محمد : “كذبت علينا شركة الاتصالات بانها تراقب هاتف ابني و أعطتنا معلومات غير حقيقية”. “بعد ذلك قررنا التعامل مع جهاز الأمن لاحساسنا بانه اكثر الجهات جدية و مصداقية في التعامل مع هذا الملف”.
العودة من الصحراء
بينما كان (م) يواصل حياته في المزرعة بشكل عادي، طلب من المسئول هناك ان ينتقل الي مزرعة اخرى برفقة شخص اسمه أحمد لأنه سيعود الي السودان،و هو ما حدث ذهب (م) الي المزرعة الجديدة و مكث شهراً اضافياً.
و في يوم صباحي تحرك (م) و احمد الي موقع للجيش السوداني تحديدا معسكراً يمسى (كرت التوم).. قضوا في المعسكر 3 ايام و في اليوم الرابع وصلت 3 عربات تاتشر الي المنطقة لتصحب (م) الي الخرطوم برفقة شخص عرف أنه من جهاز الامن.
في منزل جميل
سألته: إلي أي الاماكن سنذهب حينما نصل الخرطوم، قال: باني ساذهب الي بيته، و فعلا دخلت الي منزل جميل و فخم، تركني في غرفة مكيفة و جميلة، استجوبني شفاهة عن سبب إلتحاقي بداعش و أحضر لي إستمارة لأكتب القصة كاملة، سألوني ايضا عن لوني السياسي، في الحقيقة لم افهم السؤال!”، يضيف ايضا: “المنزل كان به بعض افراد ، بت ليلتي معهم و ذهبت في اليوم التالي الي مباني الجهاز و كان ذلك اليوم الاول الذي ألتقى فيه بافراد بأسرتي”.
ثم إلي الأسرة
“هل عانيت من مضاقيات لاحقة؟” سألته هذا السؤال، فقال: “لم أتضايق الا من لمة الناس اثناء الكرامة و اسئلتهم حول سبب انضمامي لداعش كثيرة، و هذا الأمر سبب لي إزعاجاً”.
و عن ذكرياته تحدث (م) انه لم ينس وفاة عمرو بسبب التعب و العطش و الجوع، اذ كان ذلك الموقف اقسى المواقف بالنسبة لهو يتذكر ان الطريق الذي كان مليئا بالاهوال و شهد فيه مواقف غريبة ابرزها ان احد المراقبين لهم فقد الذاكرة اثناء الطريق بسبب وقوع العربة في حفرة و انه لم يستعدها الا بعد فترة.
النهاية
عاد (م) الي الخرطوم غير ان خالد ذهب الي داعش و اخباره مقطوعة، سارع والده الي تسجيله في جامعة ليدرس الهندية التي يحبها و قالت جدته التي كانت تجلس بقربه ان دعاءها له بالعودة لم ينقطع ابدا، قلت لأسرته: “انتم جربتم كل المحاولات الممكنه و عاد اليكم في النهاية”.

لينا يعقوب
صحيفة السوداني

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *