منى عبد الفتاح : التاريخ يكتبه المنتصر

إنّ من أصعب أنواع القراءات هي تلك المتعلّقة بالتاريخ، فهو يبدو ثقيلاً مترهلاً، ومسهباً في سرديته إن لم تتوفر له أسباب المتعة والفضول التي تبدع في صياغة نسيج أحداثه بأسلوب فني شفيف. وهذه المَلَكة لا تتوفر في السارد العادي للتاريخ إلّا إذا ظهر هذا التوتر والانفعال بين ثنايا كيان سرده، واضطرمت تيارات قلقه لتدفع بعملية التعبير عن القصص المعينة وسردها بالاستعانة بكل الأدوات والرؤى التي تمزج تجلّي المتعة بالغاية المثلى، وهي الوصول إلى الحقيقة.

تبادر إلى ذهني هذا الشعور، وأنا ارتحل في آفاق بعض الكتابات التاريخية، فوجدت نفسي بداية مثقلة بهموم التاريخ وأحداثه المتراكمة وكأنّ كل تلك السنين بأحداثها الجسام جاثية الآن فوق رأسي تشلّ تفكيري كما شلّت متعة التوق إلى المعرفة. معرفة الحقيقة ولا شيء غيرها وأرجعتني إلى التفكير فيما يُروى لنا هل كله صواب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟ أم يعتريه الخطأ والتجاوزات.

ولأنّ التاريخ هو مرآة الحقيقة أو من المفترض أن يكون كذلك، فيبدو جليّاً أنّ التاريخ العربي قد عانى من خلل القراءات الواعية وقبل ذلك الكتابات الشفافة الصادقة. وما فعله مؤرخو الأمس عصي على الاحتمال، فمجّدوا زعماء لا نشك في أدوارهم ولكن عندما يصاحب التاريخ تمجيد وهالة تعظيم فذلك يجعله يجانب حالة الحقيقة إلى عوالم الخيال. لم تفلح كل الجراحات التعديلية للقراءات المتواترة للتاريخ من أن تزيل ما علق بالذاكرة على أيام الدراسة ولا أن تزيل الحيرة الآن بعد أن وجدنا ألّا عذر لمؤرخي الأمس في تزويدنا بتاريخ منمّق زيفاً.

تختلف وسائل التاريخ من عصر إلى عصر ومن بلد إلى آخر، فلكل عصر أو بلد مصادره التاريخية المختلفة حسب الظروف التي حفظت تلك المعرفة. وهذا يبرر الثقة المفرطة بما يمكن أن يعرفه شخص ما عن جورج الثاني ملك بريطانيا وأيرلندا أكثر من الثقة في معرفة قصص وحكايات التاريخ العربي التي حدثت في نفس الفترة.

تزداد وتيرة القلق من بعض الكتابات التي جاءت تدحض كثيراً من المعلومات التي تزودنا بها فيما قبل كمتلقين، وقد تحوّلت الحالة من خيار صحيح أم خطأ، إلى حالة جدل أشبه بالسؤال الذي حيّر البشرية حول هل البيضة هي التي سبقت الدجاجة أم العكس. وهذا اللغز بسيط الشكل، عميق المضمون هو كتاريخنا الذي صنعناه بالقصص اللامبالية. وبالعودة مثلاً إلى القرن الرابع الهجري فقط وليس أبعد من ذلك، نجد أنّ تناقضات الحياة في المجتمعات العربية وتفكك الدولة العباسية والتوتر والصراع الذي عاشه العرب والمسلمون في ذلك الوقت لا تظهر بتفاصيل واضحة. ولكن المطلع على التاريخ الاجتماعي والأدبي يجد تجسيد ذلك في الشعر والقصائد التي كتبها المتنبي مثلاً.

حظّ مؤرخي اليوم لا يدانيه أي حظ، فقد تمكنوا بفضل التقدم التكنولوجي من التوثيق لكل لحظة بالصور والسجلات والإحصائيات لحظة وقوعها بالثانية. وعندما نعود للوراء نجد أنّ وسائل قراءة وتأريخ الزمن تتلاشى أو تطمس، وقد يكون هذا الوراء أبعد من تاريخ الحضارات التي نعرف، لا فرق فالوسائل كانت بدائية ولكن المهمة التي لم يتعامل معها المؤرخ بنفس درجة خطورتها هي أنّه انطلق من تلك الشواهد التي حُفظت ليعيد بناء الماضي المجهول من نفس خطوط ضبابيتها.

وجدنا تاريخاً كما قال عنه غرامشي “كتبه المنتصر”. وبذا يتضح كم هو خطير حجم الهوة التي استعذب مؤرخونا الوقوع فيها كل مرة وهم يتخلصون من المنهجية ليسردوا حكايات شعبية استعادوا أشخاصها واستحضروا تفاصيل أحداثها، ولكنه بالطبع ليس التاريخ الرسمي المنهجي. فماذا نفعل بتاريخ صُنع تحت تأثيرات سياسية واجتماعية واقتصادية قوية تجبرنا على الانصياع لها كما أجبرت السابقين على التعامل معها كمسلمات، وليس كأحداث تشوبها شائبة أمانة النقل. ماذا نفعل بتاريخ يعتمد استعادة الذاكرة ورواية الحكايات كما رآها حكاؤوها وهم في الغالب منتصرو ذلك الزمان.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *