د. ربيع عبد العاطي عبيد .. من أجل الإصلاح.. من يشكل الرأي العام ؟

د. ربيع عبد العاطي عبيد .. من أجل الإصلاح.. من يشكل الرأي العام ؟

لقد أصبحت الصحف الورقية، والمواقع الإسفيرية هي التي تلعب دوراً خطيراً في صناعة الرأي وبث الخبر، وتفسير الأحداث وما ورائها، وقد تحظى تلك الوسائط بقدر من المصداقية، ولكن في أغلب الأحوال لا تمثل هذه إلا جانباً محدوداً، وتلمس وتراً دون بقية الأوتار وأن ما تستخدمة من أصابع لتحريك ذلك الوتر لا يؤثر إلا على الأحاسيس المتجهة نحو السلب وليس الإيجاب .
> وتشكيل الرأي العام، ينبغي أن يوضع في مثل هذا الزمان، من حيث الألويات في مقدمة اهتمام القيادة، وألا يكون في هامش حسابها، باعتبار أن فساد الرأي، هو الذي يوسع مساحات الخطر، ويتلف ما تحقق من إنجاز، وينشر الفزع والهلع، حيث يتم نسف الاستقرار، والقدح في الأمن، وذهاب الطمأنينة، والتشكيك فيما هو حق، ليتمكن الباطل ويستشري، ومن العبث عندئذٍ تصحيح خطأ قد تركَبْ، ومفهوم تشوش، وعقيدة طالها المسخ، وصاحبها التأويل، إن لم يكن كل التحريف. ولقد سمحت لي الأيام الماضية بمجالسة شرائح متنوعة من الشعب السوداني، وكان أغلبهم يتناولون ما يُنشر ويطلعون عليه بالصحف السيارة، وصفحات المواقع بالشبكة العنكبوتية، دون أدنى اهتمام لما تفصح به المصادر الرسمية، وعند ما كان استفساري من هؤلاء، لماذا لا تتجهون نحو الحصول على معلومات من مصادرها الأصيلة؟ كانت الإجابة بأن ما يذاع في نشرات الأنباء بالإذاعة، أو التلفاز، أو ما عرف عنه بأنه مملوك، أو شبه مملوك للدولة من وسائل إعلامية، لا يمثل إلا وجهة نظر مسؤول أتته التقارير الموجبة، وهو لا يصرح إلا بمضامينها، وأن مثل تلك المصادر لا تصلح لتشكيل رأي، ولا ينبني عليها موقف، وإنما ما يصنع من مواقف، وما يصدر من تصريحات، إن كذبه الواقع، ولم يفرض نفسه بتأثيراته على مجريات الأحداث، وآراء الجماهير، لأصبح من قبيل الترف المرفوض، والبضاعة المزجاة والصناعة التقليدية، التي لم يعد لها انتشاراً أو رواجاً.
> وتشكيل الرأي العام، قد أضحى صناعة انسحب التطور في مجالها، وتفتق العلم عن وسائل لها وآليات، فإن عجزت مصادر الخبر، والمعلومات عن استغلال، وامتلاك مثلها، والقيادات التي تتمتع بمهارة حاذقة لما تضطلع به من دور، لتحولت الوسائط إلى أبواق، والعاملون في مطابخها التحريرية والمنتجون لمادتها إلى أرزقية، ونشاط لا يتجاوز ما ينالوه منه إلا ما يغطي بالكاد، أو لا يغطي ما يطلبونه من مطالب، ويلح عليهم من ضرورات.
> وإذا كان هدفنا أن يشكل الرأي العام وفق الذي نستهدفه ونستهويه، لانطبق ما نصرّح به على الواقع، وما ننادي من أجله متماشياً مع الأمل المعقود، والحلم المنتظر، والهدف الذي يرجى تحققه، وليست أضغاثاً كأضغاث الأحلام.
> ومن يشتكون من المسؤولين عن الذي ينشر في الصحافة والمواقع، وهو لا يمثل إلا الكذب الصراح، والافتراء البيّن ، عليهم ألا يكونوا صيداً ثميناً للإحباط، والغضب بقدر ما يحفزهم ذلك نحو الانصياع لمنطق الحق المبين، والقول الصريح، والشفافية التي لا تخفي ما خلفها، بل تعكس كل الأبعاد، وتكشف ما يحويه الماعون من مضامين.
> ولقد تطور منهج الاقتناع والإقناع في هذا الزمان، بشكل ينافي عدم الموضوعية، ويناقض من يحاول قسراً وعمداً أن يأخذ النّاس معه، وهو يسير عكساً للتيار، وما دام الأمر كذلك ، فإن المسؤول الذي يتلبسه التبرم من خبر نسب إليه، أو تصريح طاله التحريف، وفاضت بمواعينه الأسافير تغييراً وتبديلاً، حسب ما يعتقده ذلك المسؤول، فإن الإجراء الأول، والإحساس الصادق، والصراحة مع النفس، كلها جميعاً ينبغي أن تدفعه نحو التفكير في التصحيح والتصويب، ولكن في مجال الرأي العام تبدو مشاريع التصويب وإعادة الأمور إلى نصابها، ليست سفراً قاصداً ولا نزهة في برٍ ، أو بحرٍ ، وإنما هي أمر يحتاج إلى صمود، وصبر ٍ ، خاصة بأن الرياح في معظم الأحيان تجري بما لا تشتهي السفن.
> والذين لا يأبهون للرأي العام، ويضعونه سفهاً تحت أقدامهم، ويستصغرون آثاره ، وانعكاساته يخطئون النظر والفهم، وما عليهم إلا بتحسس أقدامهم وهل هي ترتكز على أرضية؟ أم أنهم كالمعلق في الهواء وكالطائر الذي يطير بينما هو مهيض الجناح.
> وإن كان الرأي العام، بمثابة الذي لا نعيره اهتماماً، ولا نضع له وزناً، كما قال شاعر العرب بأن الرأي ينبغي أن يكون هو الأول ثم تأتي بعده في المرتبة الثانية شجاعة الشجعان.
(الرأى قبل شجاعة الشجعان هو أول وهى المقام الثاني)
> وقد يسأل متسائل عن المسؤولية ودرجة تحملها، والنسب المئوية التي تحدد من أعطاها حق قدرها، ومن الذي تسبب في التفريط بشأنها، عندما يتصل الأمر بالرأي العام واستقامته، أو تشويهه، أو في كلتا الحالتين.
> وعند الإجابة عن هذا السؤال فإننا لا نستطيع القول بأن متخذي القرار بريئون مما يحدث، بل هم الذين يتولون كبر الخطأ، وجسامة الخسارة، وتنعكس عليهم في نهاية المطاف النتائج، غضباً عليهم، وسخطاً من أدائهم، ورفضاً مغلظاً بما يعلنون عنه، أو يصرحون. ونلاحظ بأن الرأي العام، قد إتجه في الآونة الأخيرة إلى أرض الواقع، في شكل قصص حدثت وقضايا أمام المحاكم، ومظاهر للترف تشاهدها الأعين، وبذخ في أفراح وأتراح، وأشخاص كانوا فقراء، فسالت بين أيديهم النعم، وأفراد لم يمتطوا سيارة منذ مولدهم، فركبوا الفارهات، وغير ذلك من وقائع لم يصدرها تصريح، أو بيان مكتوب، أو مذاع بالبث مسجلاً، أو مباشراً على الهواء، وهذه الأمثلة ينبغي أن تجد معالجة لدى الذين يودون أن يسير الرأي العام في اتجاههم.
> فالمظهر الفاضح، والظاهرة الشائعة، والخبر المنتشر، وأحاديث المجالس الراتبة، والقضايا ذات الاهتمام مما يلتصق بحياة النّاس، هي كذلك ذات تأثير بالغ في تشكيل الرأي العام، ولا يظنن أحدٌ بأن الرأي يمكن أن يكون خطاماً في يده، أو عجلة قيادة لا يتحكم فيها إلا من يجلس ورائها وقد وظف لمثل تلك المهمة، ذلك لأنه إن ملك عجلة للقيادة فإن كل مواطن ومجموعة قد أصبحت تملك ما يجعلها تتحكم ، وما أكثر الذين يجلسون وراء عجلات للقيادة، ولهم أفظع التأثير على الرأى العام.
> وفي حقل الرأي العام قد أصبح الاحتكار مستحيلاً ولا يجدي آنئذٍ عجز القادرين على خوض هذا المضمار.

 

الانتباهة

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *